الجمعة، 14 مارس 2014

5 أفلام مقتبسة والحديث عن حقّنا في الخيال

* المقال كتب لينشر في موقع انكتاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

          ما بين الكلمة والصورة يضيع الكثير من الخيال، ذلك الخيال الذي يعتاش عليه القارئ، ويرضى به كدافع وحيد لاستمرار الشغف الذي هو المقابل الوحيد لهذه العملية. لكن في عالمٍ سريع كهذا الّذي نعيشه، ووسط تصاعد الأصوات القائلة بقلّة أعداد القرّاء، بل وتناقصهم مع الزّمن. أتاح ذلك المشهد للمستثمرين وصنّاع البلادة الوقوع على كومة كبيرة من "السيناريوهات" الجاهزة، الّتي تنتظر أن تصل إلى أكبر عدد من المتلقّين. منذ النصف الثاني من القرن العشرين، ازدادت أعداد الأفلام المقتبسة عن أعمال روائية باطّرادٍ كبير، حتّى بات بعض الكتّاب يكتبون وأعينهم مصوّبة نحو  الشّاشة. قد يكون لذلك أسباب عديدة، ولست في صدد نقاشها. ما أودّ قوله، أنّ أيّ متابعٍ بسيط لهذه النوعية من الروايات، بإمكانه الإحساس بكم الغبن الذي يطولها حين تتحوّل إلى السينما، وكأنها قد أصابها خطأ طبّي في عمليّة جراحية سهلة، فاستحالت كائنًا مسخًا لا علاقة له بالكائن الأصل.

          كان لا بدّ أن يأتي اليوم الّذي أُسائل فيه نفسي عن مدى الإنصاف في إطلاق الأحكام الناجزة على أي عمل سينمائي مقتبس من عملٍ أدبيّ. فقط لإبداء شيء من الموضوعية أجبرت نفسي بعد قراءة كل عمل على مشاهدة نسخته البصرية. في الواقع، لا أستطيع القول أنها تغيّرت كثيرًا، لكن ربّما أخذ الموضوع طابعًا أقلّ حدّيّة، لإدراكي أن صناعة الأدب مختلفة في جوهرها عن صناعة السينما، فالأولى قد يرفدها الكثير من المعطيات، كجمال اللغة مثلًا أو التلاعب بالزمان والمكان، بينما السينما فيها مباشرة وفجاجة أكثر، ويصعب عليها الإلمام بجميع التفاصيل إذ أن المشهد الحالي هو الحاضر فقط ولا شيء يحدث في مكان آخر في ذات اللحظة، كلّ شيء يجب أن يصل في لحظة معينة دون البناء على شيء مسبق، على عكس الرواية التي تعدّ فعلًا تراكميًا يُبنى بتؤدة على مدى الصفحات.

            من هنا جاءت نواة هذا المقال، الذي سأتحدّث فيه عن بعض الأفلام، الّتي أعتقد أنّها أثْرَت العمل الأدبي ولم تبخسه حقّه:

1-      العطر، قصّة قاتل / Perfume, The Story Of a Murder:

             ربما ميزة الأدب الكبرى إطلاق الخيال في فضاءات المجهول، ويتجلّى ذلك في تخّيل الصورة وإسقاطها على نفسية البطل. حين تقرأ رواية العطر، أو غيرها لا بدّ أن يراودك "غرينوي" بطريقة أو بآخر، وإن كان ذلك مشوبًا بكثير من الضبابية، لكن شخصية متفرّدة مثل تلك تفتح باب تأويلها في كافّة الاتجاهات ؛ لذا فإن مغامرة تجسيدها بشخص ما، وإعفاء القارئ من مشقة تخيلها كما يحلو له لا يمكن لها أن تأول إلّا إلى نتيجتين: إما النجاح المبهر، أو الفشل الذريع. وقع اختيار المخرج الألماني "توم تايكوير" على الممثل الإنجليزي "بين ويشو" ليؤدي دور "غرينوي"، ليقدّم أداء أقلّ ما يوصف به هو الإبهار. شخصية "غيرنوي" تجلّت في أبهى أشكالها منذ بداية الفيلم وهو مستلقٍ على ظهره يتميّز رائحة الأشياء: حجارة، دود، ضفادع... إلخ. مرورًا بنشوته البادية وهو يشتمّ رائحة شعور الفتيات، وصولًا إلى قمّة الحكاية حين واجه غرينوي الجموع المهتاجة في نهاية الفيلم. يخيّل إليّ لو أنّ غرينوي كان شخصًا من لحم ودم، فلن يكون أكثر سعادة من ترجمته بصريًا على هذا النحو.




2-      1984:

             يحلو لي أن أصف هذه الرواية بالجحيم البشري. لا بد أن جورج أورويل قد أصابه مسّ شيطانيّ حتّى يخرج بهذا النص شديد القتامة. من التفاصيل المعتنى بها جيدًا في الفيلم، والذي يتضح ابتداء منها جدّية العمل هو إنتاجه في العام 1984، وهو العام الذي تدور فيه أحداث الرواية (التي يفترض بها أن تكون في المستقبل). قد يعطي ذلك، على الأقل لشخص مثلي، انطباعًا بالمصداقية تم إضفاءه على الجو العام منذ البداية، أو حتّى قبل البدء بالمشاهدة. ومن المشاهد الأولى يتأكد ذلك الإحساس حين نشاهد جون هارت (وينستون سميث) بعينيه المنتفختين، وجسده الهزيل؛ إذ يبدو أنه ثمة خطب ما، هناك شيء ليس على ما يرام، ويظل ذلك الإحساس يتكرّس مع مرور كل لحظة في الفيلم حتّى يصل الرّعب أقصى درجاته مع ولوج الغرفة 101. شكلُ شاشات الرصد، الشوارع التي لا تشبه شوارع لندن وقت تصوير الفيلم، صورة الأخ الكبير، الأزياء الزرقاء، الحساء الهلامي زهري اللون، والكثير من الأشياء الأخرى (جميعها أشياء غير حقيقية وإنما ابتدعها فريق الإنتاج نتيجة قراءة عميقة للعمل)؛ كل هذه الأشياء تدفعني للإشادة بهذا العمل وبمخرجه الأمريكي مايكل رادفورد، وعدّه من الأعمال التي ساهمت في إثراء النص الأصلي.




3-   ساعي بريد نيرودا / Il Postino:


            أحيانًا يراودني شعور، بأن الأدب قليل الصفحات هو أدب مكتوب على عجل، ليس من الجمال بشيء. لكن أجدني واقعًا في معضلة تشييء الجمال؛ بورخيس مثلًا أحد أكبر مشكلاته مع الرواية، أنه يستطيع أن يختصرها في جملة واحدة. لو اعتبرنا هذه الرواية الصغيرة – مجازًا - جملة صغيرة في مقارنتها مع الأدب الطويل - مجازًا أيضًا - ؛ فإنها وبلا شك، جملة بورخيسية مكتملة الجمال والتكوين. وصل فيها سكارميتا بمزاوجة بين البساطة والعمق، إلى قمّة الرهافة الإنسانية، فكيف إذن يستطيع مخرج، أيّ مخرج، أن يسطّر بصمته هو الآخر على عمل قد يكون قال كلّ ما عنده، ولا مجال لاستنطاقه أكثر؟ قد يزول العجب، حين نعلم أن مخرج هذا العمل، هو ذاته الذي أخرج فيلم (1984)، إذ يبدو أن تحويل الروايات العظيمة إلى السينما بات شيئًا يسيرًا بين يديه، كما لو كان يشعل الضوء دون أن ينظر لموضع الأزرار على الحائط.

          حين يأتي ذكر هذا الفيلم، قد يكون من المشين تجاوز طاقم التمثيل، خاصّة العظيم فيليبي نويرت (بابلو نيرودا)، وماسّيمو ترويزي (ماريو / ساعي البريد)، والّذي للمصادفة، أو ربّما سوء الحظ توفّي بعد إنهاء التصوير بيوم واحد، وكأنما كان هذا الفيلم الستارة التي أسدل بها حياته، ليجيء بعد ذلك التصفيق من صالة السينما بعد انتهاء العرض الأول للفيلم، والذي لن ينتهي – باعتقادي – طالما هناك قارئ، أو مشاهد جديد لكلا العملين، اللذين هما - بشكلٍ أو بآخر - عمل واحد.




4-      زوربا اليوناني / Zorba The Greek:

          بعد مشاهدة الفيلم، واستذكار الرواية. جاءني شعور بأن هذه الرواية لم يكن لها أن تحول إلى الشاشة إلا بالأبيض والأسود. أسلوب السرد الكلاسيكي، زوربا ذاته الذي يبدو وكأنه خرج للتو من متحف قديم. تشعر كما لو كان هناك طبقة كثيفة من التراب عليه، وجاء المعلّم / كازانتزاكيس لينفضه عنه. هناك حميمية في الأبيض والأسود، ربما يعود سببها للماضي؛ فالماضي كما كان للشاعر يومًا: "ألا ليت الشباب يعود يومًا" هو الزمن الجميل الذي راح ولن يجيء، قد لا يكون هذا ماثلًا في ذهن المخرج (ميهاليس كاكجيونيس)، إذ أن الأبيض والأسود كان كلّ حيلتهم آنذاك. لكنّني أقوله فقط كقارئ ومشاهد للرواية والفيلم في الألفية الجديدة. الفيلم في صلبه لم يأتِ بذلك الشيء، مجرّد تكرار لما جرى في الرواية. لكن ما الذي يدفعني للقول بتفرّده؟ إنه آنتوني كوين (زوربا)، الرجل الفارع الطول، بلحيته البيضاء وشعره الأشعث يرقص على ساحل المتوسّط، والمعلّم (آلان باتس) يحاول أن يجاريه. إنه آنتوني كوين القادر على الذوبان والتماهي في شخصيته إلى الحد الذي بإمكانه إقناعي بأنه يحيا حياته الأصلية. إنه آنتوني كوين بصخبه وجنونه وحزنه الفجائي، فقط ولا شيء أكثر.




5-      الساعات / The Hours:

            يقول ماركيز "في الصحافة يختلّ العمل بالكامل إذا كانت هناك معلومة خاطئة. على النقيض من ذلك، في الرواية تمنح معلومة واحدة حقيقية الشرعية للعمل بالكامل" ولأنّ ما أقوم به حاليًا أشبه بالعمل الصحفي، يتوجّب عليّ أن أقرّ بأنّ هذه الرواية الوحيدة بين الخمسة التي لم أقرأها بل شاهدت الفيلم المقتبس عنها. أعلم أن ذلك ليس بالشيء الذي بإمكاني الافتخار به، لكن ما العمل حين لا يوجد نشاط ترجميّ ممنهج للعربية يمكننا من الاطلاع على الأعمال التي لاقت نجاحًا أدبيًا ما على أقل تقدير؟ فالرواية لكاتبها الأمريكي "مايكل كانينغهام" حازت على جائزة البوليتزر، وترشّح الفيلم الذي أخرجه ستيفين دالدري عنها إلى جائزة الأوسكار لأفضل فيلم عام 2002.

     الفيلم هو حالة مركّبة من علاقة 3 نساء لم يرين بعضهن، في فترات زمنية مختلفة، لكنّهن يتمحورن جميعًا حول الكاتبة الإنجليزية فيرجينيا وولف وبطلتها السيدة دالاواي في رواية تحمل اسم الشخصية ذاتها. العبقرية في الفيلم يكمن - عدا عن القصّة التي يطول شرحها- في أداء نيكول كيدمان (فيرجينيا وولف) الفاتن خاصّة في إخراج المشاعر السلبية المتوارية للكاتبة الإنجليزية وراء صرامة النظام الإنجليزي، ويتمثّل ذلك في حوارها مع زوجها في محطّة القطار محاولة إقناعه بالعودة إلى لندن؛ فالريف يكاد يقتلها لا إحياؤها كما ادّعى الأطباء. ثم ميريل ستريب (كلاريسّا دالاواي) وجوليان مور (لورا براون) على التوالي. هذا الإتقان في الأداء الذي حدا بالأكاديمية لفنون الصورة المتحركة وعلومها بمنح جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة رئيسية لنيكول كيدمان وترشيح جوليان مور لجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة ثانوية؛ كاعتراف ضمني بأهمّيّة العمل السينمائي، الذي أضاف إلى رصيد الرواية وصاحبها بلا شك.








     



الاثنين، 10 مارس 2014

مقطع عرضي من حياتي.. أو رسالة إلى صديق

          أسير في وسط البلد وحيدًا، أحدّق في وجوه المارّة، في السيارات، في أضواء الإنارة الشاحبة. أتذكر ما قاله واسيني الأعرج مرّة في مقابلة تلفزيونية: "شيء ما في المدن العربية يجعلها حزينة دومًا حتى وهي في أقصى لحظات الفرح". ينسرب الحزن من المكان نحوي كأنما أصبحنا كائنًا واحدًا، كتلة واحدة تتعرض للمؤثرات ذاتها، ولها ردات الفعل ذاتها. كلما مشيت في شوارع عمّان، أشعر بفيض من الحب، الانتماء لأصغر ذرة رمل تفترش شوارع المدينة. تسألني أمي كلما خرجت من المنزل: مع من أنت ذاهب؟. أكذب عليها، ولا أقول أنني خارج وحدي حتّى لا تشغل بالها قبل أن تغمض عينيها على الوسادة بابنها قليل الأصدقاء.

          أسير في وسط البلد وحيدًا، وظلّك يسير بجانبي. ندخل إلى المكتبة الأهليّة المخيفة بكتبها المتراصّة على الجدران؛ كلما زرت هذه المكتبة، يراودني شعور باحتمالية سقوط الكتب من الأرفف، محيلة أحدهم إلى جاحظ جديد. تقف أمام روايات أمين معلوف؛ فأصدر حكمي الذي أندم عليه لاحقًا "ممل.. تقرألهوش". ثم تنصحني بنظرة العارف "شايف هذا الكاتب (محمد أركون)، لو شفتله كتاب بالزبالة، طوله واقرأه". أتفحص جيبي كثيرًا قبل أن أشتري كتابًا أعلم أني لن أقرأه في القريب، وتشتري أنت واحدًا لأنك قرأته 4 مرّات ولا تملكه ورقيًا. ثم نخرج من المكتبة، وتنظر في ساعتك وتقول: "الساعة ستّة، يالله نروح عشومان" وأنا أتململ، كي أكسب الليلة في غير مشاهدة الأفلام. تمضي نصف ساعة، أقنعك بعدها بعدم جدوى المحاولة: "منت شايف الأزمة كيف" تبتسم مذعنًا، فنمضي بجيوبنا شبه الفارغة- إلا من ثمن طريق العودة إلى البيت – إلى أيّ مكان. نظل نمشي حتى نصل مفترق الطرق بين العبدلي وجبل عمّان، تتذكّر أنك جائع، وتقرّر العشاء بـ "هاشم". كلما سألتك عن سبب حبك له تقول: "مش حب، بس تعوّدت.. كل ما أنزل عالبلد لازم آكل من هاشم ومن حبيبة". تحدّثني عن كونك أصبحت خالًا، ولا أعرف كيف أرد. وأحدثك عن ذات الموضوع الأزليّ؛ عن افتقادي للمعنى في حياتي. لا يطول الوقت، قبل أن نضبط أنفسنا متأخرين عن العودة إلى البيت؛ فأودّعك بلا أية حرارة، وتفعل أنت كذلك أيضًا. 

          أسير في وسط البلد وحيدًا، وأتذكّر سؤال أمّي: مع من أنت ذاهب؟ أنظر يمينًا ويسارًا، ولا يقابلني إلا رائحة البشر، والكثير من الوجوه المفرطة في الحياد. كنت أحسب المكان صديقًا مؤنسًا، فإذا به يتحوّل إلى غابة كثيفة من الأشجار، تختبئ فيها رؤوسٌ تتأهب لافتراسي، أو هكذا يخيّل إليّ. أنظر إلى السّاعة، إنها السادسة مساءً. أخرج هاتفي النقّال، وأرسل رسالة: "تنزل عالبلد، ملّان لحالي؟".. ولا يطول الوقت قبل أن أتلقّى الرّد "عندي دراسة كثير، بلكي مرّة ثانية".





الاثنين، 3 مارس 2014

ميلاد آخر


"أنا نرجس شارون سوسنة الأودية
كالسوسنة بين الشوك كذلك حبيبتي بين البنات
كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين البنين تحت ظله اشتهيت أن أجلس وثمرته حلوة لحلقي"

(نشيد الأنشاد – الإصحاح الثاني)

***

(1)
الأحد / 24 كانون الأول 2000
العاشرة والنصف مساءً
بيروت
ريتّا

         مضت نصف ساعة ولم تتزحزح ريتّا من وراء المرآة، كانت تنتظر شبيهتها في ذلك العالم الهلامي أن تتكلّم، أن تقول لها أنّها جميلة، أن تخبرها بأنّ ذلك النمش الذي يكسو وجنتيها لم يكن بسبب الحصبة الّتي ألمّت بها في صغرها كما تقول زميلاتها في المدرسة، كانت تنتظرها.. أن تقول أيّ شيء. لكنّها لم تكن تعلم أن تلك التي في المرآة، كانت تنتظرها لتقوم بذات الأمر.

-          ريتّا لا تؤخرينا عن القدّاس كعادتك، عشر دقائق وسنغادر المنزل. قالت والدة ريتّا
-          أنا جاهزة منذ الأزل، أنتِ الّتي تصرّين كلّ مرّة على عكس ذلك.
-          لا تكثري الكلام والبسي شيئًا يليق بالمناسبة.

         نظرت مجددًا صوب المرآة، لوهلة شعرت بأنّ تلك الّتي في الصّورة أشدّ قوّة منها، تمنّت لو أنّهما تتبادلان الأدوار، ولو لهذا اليوم لا أكثر.

***

         تمور في أحشائي مشاعر مختلطة كلما ذهبت إلى القدّاس، رهبة مختلطة بشعورٍ بالمسؤوليّة. لكن اليوم أشعر بشيء مختلف. في طريقنا للكنيسة أحسست بيدٍ تمسك بيدي لكنّها ما تنفكّ تنزلق، وكأنّ حاجزًا خفيًا يحول بيني وبينها، إنها يدُ أبي، أستطيع أن أتميّز شعيرات يده النّاتئة، ها هوذا يناغيني بصوته الرّخيم: "ريتّا، يا حلوتي.. لما العبوس؟" تسود لحظة من الصمت لا أدري كم طالت: "لماذا تركتنا؟ كنت تقول لي إنّ الآباء الجيدين لا يموتون؛ أنت أسوأ أبٍ في العالم" لو أنّ أمّي الّتي التقته لما توانت عن إخباره بمحاولتي الانتحار مرّتين بعد هجره إيّانا. أمّا أنا فلن أخبره، لعلّه يعلم ذلك.. لا أدري. أفلتّ يده هذه المرّة رغم توقفها عن الانزلاق، ورحت أطوي الرّسالة في جيبي بعيدًا عن أنظار أمّي.

***

(2)
الأحد / 24 كانون الأول 2000
السادسة مساءً
كنيسة مار الياس – بيروت
الراهب إيليا

         منكبًّا على ركبتيه الّلتين بدأت علائم الكبر تظهر عليهما، حانيًا ظهره بخشوع تام، وضع الرّاهب إيليا قبضتيه على الأرض أسفل صليب كبير في صدر الكنيسة، ثمّ تمتم دعاءً بصوته الخفيض: "أيّها الرّب، تقدّس اسمك في السّماء، باسم جسدك الّذي دقّ بأسافين من حميم ولم يتأوّه لحظةً؛ ها هو عامٌ آخر ينجلي، ليتكشّف لنا في ليلة ميلادك العظيم كم ضللنا الطريق، وكم سوّلت لنا أنفسنا الخطيئة، وكأن كل واحدٍ منّا يصرّ أن تظلّ "الخطيئة الأصلية" لصيقة بنا نحن بنو البشر. أسألك باسمك الأجلّ في هذا اليوم، باسم مريمَ القدّيسة، ويسوع ابنك المسيح، أن تنشر السّلام بيننا؛ أبناؤك في الأرض... آمين"

***

         حين كنت طفلًا صغيرًا، كنت أخشى النوم ليلة عيد الميلاد؛ كان النّوم بالنسبة لي وحشًا بفمٍ كبير سيلتهم اليوم التالي لذا حرصت على الإفلات من براثنه بتخيّل الهدايا التي تنتظرني في الصباح، لكنّي لم أفلح في ذلك ولو لمرّة، بل دائمًا ما كنت أغطّ في نوم عميق. ارتبطت ليلة الميلاد في ذهني بالكنيسة، كان والداي يصطحبانني كل عيدٍ إليها لأداء الصلاة. لم أحبّ الكنيسة في صغري كثيرًا، كان يصعب على عقلي الصّغير فهم القدسية في صورة فتاة جميلة أو شابٍ جميل. أو حتّى بجلوسنا في صفوفٍ نستمع فيها لشخصٍ يعتمر قبّعة بثوبه الفضفاض يتهدّل عن جنبيه، كم كان يذكّرني ذلك بالمدرسة. ثم ماذا عن كون الله حمامة*؛ لقد كنت أهش الحمام بيدي حين يتغوط على حافة شبّاكي، وأرميه بأقذع الشتائم، كيف لي أن أعبد إلهًا يتغوّط أو يُشتم؟

         لكنّ والداي كانا محبّين لي لدرجة السذاجة، لذا كنت أخجل من نفسي لتفكيري بتلك الأشياء. في أحد الأيّام، حلمت بأني أقبّل صورة السيّدة مريم بطريقة غير لائقة، وبينما أنا على تلك الحالة ضبطني أبي. لم أستطع التفكير في نهاية للمشهد، لأنّ فمه كان قد اتّسع كموجة عاتية، والتهمني. عاهدت نفسي أن أدفن تلك الأفكار في بطني وكلّما ضبطني أحدهم متلبّسًا بها، تقيّأتها بسرعة. ظللت أقنع نفسي أنّ صغر سنّي هو ما يحول بيني وبين فهم تلك الأمور، لذا اعتقدت بحماقة كبيرة أنها طريقة ناجعة. تكرّرت الأحلام، وهاجمتني الأفكار كوحوش ضارية، شعرت بأنّني غريب أمشي في العراء وحدي، رغبت بوجود شخصٍ أشاركه أفكاري، لكن.. لا أحد. في أحد الأسابيع رفضت أن أذهب لقدّاس الأحد؛ ضربني والدي لأول مرّة في حياتي. أمي لم تنبس ببنت شفة، وكأنّما كانت تتوقّع مجيء تلك اللحظة، في اللّيل سمعت صوت بكائها، كان كأزيز أظافر على لوح خشب. لم يطل بقائي في البيت، بعد أن ظلّ أبي يردّد الكلمات التّالية كما لو أصبح محمومًا "بمن تسخرون وعلى من تفغرون الفم وتدلعون اللسان. أما أنتم اولاد المعصية نسل الكذب"** ، أمّي كانت الغصّة الوحيدة في حلقي، لكن هل كان باستطاعتي  تجنّب ما حدث؟

***

         السّاعة الثانية بعد منتصف الليل، الشّارع ضيّق وحجارته بارزة. أشعر بأنّني مررت هنا من قبل، تحسّست جسدي لكنّه كان فراغًا. على الطّرف الآخر من الشّارع عجوزان يتوكّأ أحدهما على الآخر يهمّان بقطع الشّارع، أحاول الصراخ في محاولة لمنعهما لكنّ صوتي يرتد إلى جوفي، ليزيد الفراغ هوّة. تعبرهما سيّارة مسرعة، لا أحد يلقي بالًا في الشّارع وكأن شيئًا لم يحدث. تهبط حمامةٌ بيضاء عملاقة من السّماء.. تلتقط الجثتين بجناحيها بارتباك بادٍ.. ثم تصعد بهما باكيةً إلى السّماء.

***

(3)
الأحد / 24 كانون الأول 2000
الحادية عشر والنصف
بيروت
ريتّا

         اللّيل يحثّ الخطى في الأفق، والطريق إلى كنيسة مار الياس طويلٌ لا ينتهي. تتداعى الأفكار على ذاكرتي بشكلٍ عشوائي وغير واضح تمامًا، أشعر كأنّي أمسك بشريط تصويرٍ لم يتم "تحميضه" بعد، صورٌ أجزم أنّها وقعت لي، لكنها بعيدة إلى ذلك الحد الذي لا يمكنني الإلمام بتفاصيلها. أقلّب الشريط الطويل بعينيّ، ها أبي تصدمه سيّارة في منتصف الطريق. وها أنا ألفّ حبلًا حول عنقي، خلته سيكسر عنقي فانقطع هو لأشرع يديّ للريح، فتطوحني كورقة شجر في خريفها الأخير. ألملم الشريط، وأنحيه عن ذهني. أتحسّس جيبي؛ ما زالت الرّسالة في مطرحها. شعرت أنه يجب عليّ إيصالها له حتى وإن تمّ فضح أمري.

***

         سرت رعدة في جسمي حين رأيت المقاعد الأمامية شاغرة. اقتدت أمّي من يدها لنجلس، وانصاعت كطفل صغير. الرهبان في حركة دائبة، أحذيتهم تصدر طقطقة كلما دبّت على الأرض الخشبية. يعملون مغمضي الأعين، فاغري الأفواه من شدة السرور. لم أختبر شعورًا مثل هذا مطلقًا، فيّ رغبة طفل يرى أمامه الحلوى ولا يستطيع امتلاكها. في الوقت الذي كان فيه الرّهبان يمرّون بين المقاعد، ليباركو على المؤمنين ليلتهم. رأيته يقترب من مقعدنا، ادّعيت الوقوف لأبحث عن شيء وقع منّي، فهمّ بمساعدتي، نظرت في عينيه، وضعت الورقة في يده "ها هي، شكرًا لك أيّها الرّاهب". راقبته يتلمّس موقعه على الأرض بقدميه، قبل أن يتركنا مهلهل المحيّا.

 ***

         أخذ الكورال موقعه في الشطر الأيمن من الكنيسة، تتقدّمهم فيروز بوجهها المشرق كقمرٍ يسرع الخطى ليطلّ على الشّرق المظلم..

 ***

(4)
الاثنين / 25 كانون الأول 2000
الثانية عشر والنصف صباحًا
بيروت
الراهب إيليا

         في اللحظة الّتي أمسكت الورقة بيدي، تحرّك شيء بين فخذي كنت قد نسيته منذ زمن بعيد. بعد أن غادرت المنزل، عرفت فتاة واحدة، كانت درزية، اضطرّت عائلتها مغادرة لبنان، ضمن من تركوها أثناء الحرب الأهليّة. ثم حصل ما حصل وسلكت طريق الرّهبانية، ومن وقتها اعتقدت أنّ بونًا شاسعًا بات يفصلني عن الجنس الآخر. لم يكن ذلك إكراهًا لنفسي بقدر ما كان تصالحًا معها. لكن في تلك اللحظة، شعرت أن كلّ ما فعلته هو بناء سورٍ دائريٍ من الإسمنت حول نفسي، شاهدته يتعمّر عامًا بعد عام بيديّ هاتين. لم يطل ذلك الشعور طويلًا، قبل أن أعود للعمل، إذ لم يكن أمامنا سوى بضع دقائق على بداية المراسم.

***

         بعدما خف الضغط علي، تداريت خلف الأنظار. شعرت بالهدأة تحوطني كما لو لم يعد أحد في العالم سواي. فضضت الورقة وأخذت أقرأ:

         "ربّما من العيب أن أفعل ما فعلت، أو أن أقول ما سأقول. لكنّي أعتقد أن مثاليتنا لن تجعلنا أكثر من نقطة ساكنة، وأنا أودّ أن أكون كونًا يدور حول تلك النقطة. في كلّ مرّة آتي لحضور القدّاس أظل أراقبك، حتّى بات وجهك منقوشًا في ذاكرتي. لا أريد الإطالة، فكلّما طالت هذه الرّسالة أكثر، أشعر بالتقزّز، فالكلمات تظلّ جوفاء، ما لم تخرج من فم قائلها. أتمنّى أن تفرغ من وقتك قليلًا، لنلتقي غدًا عند ساحة النجمة، برج السّاعة تحديدًا، الساعة الثانية ظهرًا. أعلم أنكم معشر الرّهبان لا تخرجون كثيرًا، إلّا أن الشمس ليست بذلك السّوء - ريتّا".

         أنهيت قراءة الرّسالة، وصوت في البعيد يردّد "وا حبيبي.. وا حبيبي.. أيّ حال أنت فيه". توحّدت والمكان، وباتت نبضات قلبي مسموعة لدى كل من حضر اليوم، ذاك البناء الذي شعرت به يلفّني، أراه الآن يتقوّض أمام عينيّ، لكنّني قرّرت التماسك وعدم فقدان السيطرة، ظاهريًا على أقل تقدير.

***

(5)
الاثنين / 25 كانون الأول 2000
الثانية ظهرًا – ساحة النجمة
بيروت
الرّاهب إيليا

         تعلّلت برغبتي باستنشاق الهواء، وخرجت من الكنيسة قبل الموعد بساعة. الليلة الماضية، اختلقت الكثير من الحوارات، اعتمدت ضحكة معيّنة، غسلت ملبسًا كنت قد ابتعته منذ زمن بات الآن منسيًا، غسلت أسناني أكثر من مرّة. عادت لذاكرتي ليالي العيد القديمة، فخفت أن أنام، فيسرق اللّيل غدي الذي لم يأتِ بعد. لكنّي لم أفلح في ذلك، وغططت في نومٍ عميق.

         وصلتُ إلى المكان على الميعاد تقريبًا. وقفت على مدخل السّاحة، أناظر السّاعة واقفة هناك كجنديّ عاد من أرض المعركة، تنتظر أن يقف النّاس تحيّة لها. يتلامس عقربا الدقائق والساعات، فيدقّ جرسها، أتطلّع حولي فلا أجد من انتبه لذلك سواي. مددت بصري، فوجدتها واقفة هناك حقيقة لا يمكن ضحدها. هممت بالمشي صوبها، قبل أن أشعر بتفاهة الموقف برمّته. لماذا أنا هنا؟ ما الّذي يعيد تلك المشاعر القديمة لتطفو على السطح مجددًا؟ كانت غلطتي أن تركت النافذة مفتوحةً ليلة أمس، وكانت غلطتي أيضًا حين فتحت الباب فتشكّل مجرى للهواء كاد أن يعصف بحياتي. الآن، أدرك حجم ما أنا مقبل عليه، فأغلق الباب والنافذة بهدوء، وأعود أدراجي من حيث أتيت.


Titus in a Monk's Habit by Rembrandt


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) : إنجيل متى الإصحاح الثالث، الآية السادسة عشر: "وتعمد المسيح وخرج في الحال من الماء. وانفتحت السماوات له، فرأى روح الله يهبط كأنه حمامة وينزل عليه".

(**) : سفر إشعياء، الإصحاح السابع والخمسون، الآية الرابعة