الجمعة، 11 يوليو 2014

بيرة في نادي البلياردو: حين يتحوّل الموت إلى مجاز، والرواية إلى حقيقة



(وجيه غالي)

          في مصر الستينات، قد لا يكون أحدٌ من المهتمين بالأدب خاصّة في مصر، قد سمع بوجيه غالي. بالطبع هناك العديد من الأسباب التي قد تقال في هذا الموضع؛ منها عدم كتابته أكثر من رواية واحدة في حياته؛ "بيرة في نادي البلياردو" (دار الشروق / ترجمة إيمان مرسال وريم الريّس)، عدا عن أنّها مكتوبة بالإنجليزية. ثمّة فضول لذيذ يلحق بكتّاب الرّواية الواحدة، فعلى غرار ج. د. سالينجر صاحب "الحارس في حقل الشّوفان"، ها هو وجيه غالي يكرّر الفعلة ذاتها، لكنّه، وكإضفاء لمزيد من الدراما، أنهى حياته منتحرًا، تاركًا وراءه رسالة تقول: "أظن أن الانتحار هو الشيء الأصيل الوحيد الذي فعلته في حياتي". قد يصحّ أن نسأل، إذا كان ما قاله صحيحًا، هل تندرج روايته هذه ضمن قائمة الأشياء الكثيرة غير الأصيلة في حياته؟ وقبل أن نجيب، يجب أن نضع في الحسبان حالته النفسية التي دفعته ليقول ذلك.

          يصعب وضع هذه الرّواية ضمن إطار واحد، فمستويات العمل متداخلة إلى حد بعيد. قد يصحّ أن ندرجها ضمن الأدب الذي استشرف علاقة الشرق بالغرب كموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح وما يتبع العلاقة من صراع في الهويّة. وفي مستوى آخر، يصحّ القول أنّها تأريخ لحياة الطبقة الأرستقراطية قبل وبعد ثورة  1952 في مصر. وفي مستوًى آخر (وهو المستوى الأهم ربّما) هي قصّة حبّ بين "رام" القبطي و"إدنا" اليهوديّة. تتداخل المستويات ويطغى بعضها على بعضٍ أحيانًا، إلّا أن شيئًا ما يصرّ على ألّا تأخذ الرواية اتجاهًا ما، يحصرها في زاوية ضيّقة، لتظلّ مشرعة على كلّ التأويلات المحتملة.

          يمكن القول إنّ هذه الرّواية صرخة طويلة، صرخة في وجه الإنجليز والأمريكان ونظامهما الرأسمالي الأشبه بشاحنة كبيرة بلا سائق. لكنّها صرخة لا تخلو من السّخرية. "مصطفى سعيد" في موسم الهجرة إلى الشمال، استطاع بذكائه أن يكتشف نقطة ضعف الآخر؛ ميله إلى ذلك الشرق الساحر، أو ما أسماه الطيب صالح بالجنوب. لكن هنا، فإنّ رام، وصديقه فونت لا يملكان سوى الكثير من الكتب التي قرآها دون بالغ اهتمام. وثقافة إنجليزيّة تلقياها في المدرسة، زادت من حيرتهم لدى اتخاذ أي موقف "كان قد غرس فينا توقع "العدل" من الإنجليز. هذا الغباء في توقع "العدل" من الإنجليز، بجانب سلوكهم البعيد عن "العدل" كان ظاهرة غريبة لدينا". هذا الميل للثقافة الإنجليزيّة ما كان يمكن أن يُبتّ في أمره دون حادثة كبيرة "بالرغم من كل الكتب التي قرأناها عن مكر وقسوة سياسة إنجلترا الخارجية، كانت حرب السويس هي ما جعلنا بالفعل نصدّق ذلك".

          في جلسةٍ عائليّة أقيمت على شرف عودة "منير" ابن خالة "رام" من أمريكا تحصل مشادّة كلاميّة بينهما على إثر تبجّح "منير" بالثقافة الأمريكيّة "الديمقراطيّة الأمريكيّة هي النموذج. يا سلام، يجب أن تروا هذا البلد". لا يعجب هذا الكلام "رام"، إذ كيف يمكن ذكر الديمقراطية الأمريكية، دون الحديث عن الفقراء البورتوريكيين في أمريكا، أو عن الهنود الحمر منقوصي الحقوق؟ لينتهي الحوار بينهما بشتم رام لمنير ومغادرته المكان. نكتشف مع مرور الأحداث، أنّ كلّ هذا الانفعال لم يكن وراءه لا أمريكا ولا الديمقراطية ولا حتّى منير، بل نيل إعجاب الفتاة غير المعروفة على طاولة الطعام؛ "إدنا" اليهوديّة، التي لا يعرف رام كيف يمكنه أن يوقعها بحبّه، فيستمرّ بادّعاء المعرفة حتّى يقول لها آنفًا "معرفتي جعلتني جديرًا بكِ بعض الشيء". ­

          هذه الرواية مثقلة بمشاعر المسؤولية. المسؤولية تجاه البلد في ظلّ قيام ثورة 1952، من ثمّ في ظل العدوان الثلاثي سنة 1956، والمسؤوليّة أمام الذات بطبيعة الحال. لكن، هناك شعورٌ باليأس والعجز يحوم في الأجواء، ابتداء بعدم تحدّث الشخصيات الرئيسة للغة العربية بشكلٍ جيد. كيف يمكن لرام أن يثبت أنّه ابن البلد، وهو لا يتحدّث لغة أهل البلد "أتعرفين يا إدنا أنتِ لستِ مصريّة، ...أنتِ فقط لستِ مصريّة. وسأقول لكِ لماذا. هل تذكرين عندما قلتِ لي مرةً إنني لستُ مصريًا لأنني أنتمي إلى النخبة، إلخ؟ ولكنّني مصري، ...أنا مصري حقيقيّ. عندي حسّ الفكاهة المصريّة". لكن هل يغيّر هذا من الأمر شيئًا؟ يبدو أنّ رام مدركًا لسخرية الموقف الذي هو فيه، وإلّا لما حاول أن يثبت مصريّته بهذا الشكل الساخر.

          عادة ما يكون استخدام السياسة في العمل الأدبي سلاحًا ذو حدين، قد يودي به ليتحوّل إلى خطاب أيدولوجيّ بائس. فإن كان هذا العمل، قد حمل أصالة حقيقيّة، فإنّه نحا في جزئه الأخير، بصورة فجّة للإدلاء بآراء سياسيّة قد لا تعني شيئًا، ولا تثري النص أيضًا. يقول رام لديدي نخلة، صديقته من أيّام زيارته للندن "تصوري ثلث دخلنا يضخ في جيش لمحاربة مليونين بائسين من اليهود الذين ذبحوا بوحشيّة في الحرب الأخيرة". هل يمكن أن نعدّ ذلك من قبيل التعاطف الإنساني مع شعب لا مأوى له؟ لكن لو كان الأمر كذلك، فلماذا لم يأخذ رام بعين الاعتبار المجازر الواقعة في الـ 1948 وما بعدها من ذات المليونين البائسين من اليهود؟ لا يمكن أن يبرّر هذا القول إلّا عاطفيًا، نظرًا لارتباط الفتاة التي يحبّها (إدنا) عقائديًا بإسرائيل، وبهذا يصبح قوله متّسقًا مع ذاته، ومع اعترافه في موضعٍ ما أنه لم يعد على طبيعته مذ تعرّف عليها، فكلّ ما يقوم به، يفعله ادّعاءً، لكسب إعجابها، لا أكثر.


          انتحر وجيه غالي في شقة الكاتبة الإنجليزية ديانا أثيل سنة 1969، وجدير بالذكر كما ذكرت المترجمة إيمان مرسال على مدونتها الشخصية أنّه خلّف وراءه رواية غير مكتملة بعنوان "Ashl Novel"، ومسودّتين صغيرتين كمذكرات شخصية، ولم تنشر جميعها حتى اللحظة. وما زالت حياته حتّى اللحظة يلفّها الكثير من الغموض، ولا مجال لمعرفة شيء عنها إلا من خلال تأويل هذه الرواية، التي يقال أن شخصيّة "رام"، تتقاطع مع شخصيّة الكاتب إلى حدٍ بعيد. 


(طبعة دار الشروق)


الأحد، 6 يوليو 2014

ألبرتو مانغويل: القراءة هي منزلي

          هذه أوّل محاولة مكتملة للترجمة أقوم بها؛ هي خطوة كان لا بد من القيام بها لكسر حاجز الصمت الذي يلي كتابة أي شيء جديد. حين أقول لا بد منها، أعني على المستوى الشخصي، فأنا أعي تمامًا معنى أن تكون مترجمًا بائسًا، وأن أثر ذلك، ليس عائدًا على المترجم وحده، بل على كل من سيقرأ سطرًا ويغلق الصفحة، أو يلقي بالكتاب بعيدًا.

         لماذا هذا النص تحديدًا؟ بداية هذا النص معدٌ لينشر في موقع انكتاب، وبما أن الموقع حاليًا موجّه صوب القراءة والقرّاء، كان لا بدّ عليّ أن أبحث عن نصٍ يتلاءم وجو الموقع العام. من ثمّ فإن ألبرتو مانغويل معروف عالميًا باهتمامه الكبير بالقراءة. لا بدّ أن أشير أيضًا إلى كرهي للحديث عمّا لا أعرف، فأنا لم أقرأ أيًا من كتب مانغويل حتى اللحظة. وترجمتي لهذا الحوار معه، قد يكون نوعًا من التكفير عن الذات، وأنني في حال ارتكبت ذات الجريمة ثانية، قد أسمح لنفسي بالحديث عنه بعض الشيء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

         قام بالحوار: جوناثان ديربيشاير لصحيفة النيوستيتسمان

  • ما مدى تفاؤلك حول مستقبل الكتاب؟

         لا أعتقد أن الكتاب الورقي سيختفي، حتى في ظل سماحنا للتكنولوجيا أن تتوغل أكثر في حياتنا. الفكرة القائلة بأن أحد الطرفين لا بد أن يطغى على الآخر هي، ببساطة، كأننا ندفع الجديدة (التكنولوجيا) للتواجد وحدها على هذا الكوكب، لكنّ ذلك لا يحدث. كما لم يحدث سابقًا مع الفوتوغرافيا والرسم، كما لم يحدث مع السينما والمسرح، كما لم يحدث مع الفيديو. وكما لن يحدث مع التكنولوجيا والكتب المطبوعة. كنت في قمة السرور حين قام بلغيتس، قبل عددٍ من السنين، بكتابة كتاب يتنبأ فيه بموت الورق، من ثمّ قام بطباعته على الورق. أعتقد أن ذلك يقول الكثير.

  • إذن، فأنت لا تستخدم الكتب الإلكترونية (E-books

         لا. ليس لديّ شيء ضد هذه الأدوات. لكنني فقط أستخدم ما أجده مفيدًا. أعني، أنّني أجد السيارات مفيدة للغاية، لكنني لا أقود.

  • أيّ الغرف اختارتها الثقافة هذه الأيام للكتب؟

         لقد عمدنا إلى إزالة المكتبات، واستبدالها بالبنوك في أواسط مجتمعاتنا. هذه المواقع قابلة للزحزحة، على الرغم من أنّ أفكارنا حول القيم تتمحور حول ما هو تجاري، هذا كله يمكن تغييره. لو كان الربح المادي هو هدفك، عندها ستقول "كيف يمكن للقراءة أن تحقّق مدخولًا ماديًا؟" والجواب هو "لن تستطيع". لذا فالقراءة يتم ركلها إلى زاوية قصيّة في مجتمعاتنا. جرت العادة أن يتم نبذ القرّاء لأنهم يعدون أنفسهم أعلى من عامة الناس، وكذا تطوَّر المجاز الذي يصفهم وهم في أبراجهم العاجيّة. الآن ما زالت هذه الفكرة تحوم، حول أن القراء لا يتدخلون في الشؤون الاجتماعية والسياسية. بشكل أدقّ؛ بكل ما يخص العامّة. ولكن، من زاوية نظرٍ أخرى، قد يكون السبب في ذلك أنهم لا يجنون المال.

  • تضمّن كتابك (A reader on reading) مقالًا معنونًا بـ "ملاحظات حول تعريف المكتبة المثاليّة". أي المكتبات في العالم تجدها أقرب لأن تكون مثالية؟

         هناك واحدة فقط في نظري. وهي الآن تحت تهديد الاختفاء. تلك المكتبة هي آبي واربرغ (Aby Warburg’s) التابعة لمؤسسة واربرغ في لندن. تلك المكتبة صممت وفقًا لتصوّرك العقليّ، بطريقة تجعل الواحد منا يفكّر، أن الكتب تم ترتيبها دفعة واحدة، وليس وفقًا لأي تصنيف آخر. لا يوجد فيها زوايا، لذا فكل التقسيمات فيها صحيحة. أعتقد أن هذا هو التصوّر الأمثل للمكتبة. لقد عهد بها الآن إلى جامعة لندن، والتي تفكّر بإزالتها. لو حدث وقامت الجامعة بذلك؛ ستكون ارتكبت واحدة من أفظع جرائم عصرنا.


(مكتبة Aby Warburg - لندن) 

  • لديك مكتبة تضمّ أكثر من 30000 كتاب في منزلك في فرنسا. ما نظام التصنيف الذي تتبعه فيها؟

         حسنًا، بدايةً، ولأنها مكتبة خاصّة؛ أستطيع أن أفعل ما أشاء بها. ولذلك فأنا أتّبع نظام تصنيف واحدٍ فيها: حسب لغة الكتاب الأصليّة. وذلك ببساطة لأنّه أول نظامٍ اتبعته في تصنيفي للكتب. تحت كل لغة – الإنجليزيّة، على سبيل المثال – الكتّاب مصنفون وفقًا للترتيب الأبجديّ، وكذا كتب المقالات، الروايات، الشعر، وكل شيءٍ آخر. بعذ ذلك تأتي الاستثناءات؛ وهذه تحديدًا هي المساحة المفضّلة لديّ. تحتلّ كتب التاريخ من القرن الثامن عشر حتى الآن جزءًا من هذه المساحة، والعصور الوسطى تحتلّ الجزء الآخر. من ثمّ تجيء الكتب التي تحيط بالإنجيل، كتب عن القرآن، التصوف اليهودي، أسطورة دون خوان، أسطورة اليهودي التائه، الميثولوجيا، الروايات البوليسية، كتب الطبخ، البستنة، الترحال...



(ألبرتو مانغويل في مكتبة منزله) 

  • لقد سافرت كثيرًا في صغرك نظرًا لكونك ابنًا لدبلوماسي. وقد واصلت الترحال بعد ذلك. هل شكّلت مكتبتك نقطة ثابتة بالنسبة لك؟

         أعتقد أنّ الكتب لطالما كانت كذلك بالسنبة لي. أتذكّر؛ حين كنت طفلًا، كنت أصاب بالهلع لعدم معرفتي بتفاصيل المكان الذي أوجد فيه، أو حين معرفتي أين سأقضي الليلة، كانت تجربة عصيبة بالنسبة لطفل. ما كنت أفعله حينها، هو ترك الكتب التي بين يدي بسرعة والعودة لكتابٍ آخر أعرفه جيدًا لأتأكد من أنّ النصّ ذاته، وملاحظاتي عليه ما زالت هناك. دائمًا ما كنت أشعر بقدر كبير من الراحة مع الكتب، ذاك هو منزلي. في الواقع، لم أفهم أبدًا سبب الارتباط بمكان الولادة. كونه تصادف وولدتني أمي في مكانٍ ما، لا يبرر بالنسبة لعقلي، أي شعورٍ بالامتنان لذلك المكان. كان بالإمكان أن أولد في أيّ مكان آخر. 

- تم -