الثلاثاء، 14 يناير 2014

في الحديث عن الظل

(1)
الظلّ وليدًا

          كما في جميع الأيام، تطلّ الشمس من المشرق الساعة السادسة صباحًا؛ لتؤدي عملها، مخترقة بنورها الآفاق، موقظة المدن الغارقة في القدم. يستيقظ كمن يملك موعدًا رسميًا لا يريد تفويته بدقيقة نومٍ زائدة، ربما تجرّ معها دقائق أخرى. ثم يحضّر إفطاره كما ينبغي لعازب، يدخن سيجارتين لا ثالث لهما. تنقضي نصف ساعة قبل أن يتّجه إلى مكتبه، يكتب لثلاث ساعات متواصلة، ينهيها بأن يخلع عن نفسه ثوب الكاتب، ويعود ليمارس الحياة بكامل مللها.

***

(2)

الظلّ متوسّطًا

          حمّى الروتين، هكذا أسمي ما أقوم به يوميًا. نفس الشريط، نفس الأغنية، نفس الأشياء تتكرر في دورة لا نهائية. لا أستطيع القول بأنني غير راضٍ؛ على أية حال لست في الجبهة كما كان هيمنغواي، ولست مشلولًا ككريستي براون. ربّما سيّئة الملل الوحيدة، أنّها تقرض شيئًا من روحي كلّ يوم. كلما انساب الزمن، كلما قلّ شغفي تجاه الأشياء، أصبحت آلة، لا عمل لها سوى إنتاج الكلمات، وأيّ كلمات هذه التي لاكها قبلي ما لا يعدّ من البشر!.

          كتبت الكثير في حياتي، وفي يومٍ ما اكتشفت أنّني لا أحب أن يقرأني أحد، ربّما لنرجسيّة ورثتها عن أجدادي، وربّما لعلمي بأنّ ما أكتبه مملّ لدرجة لا تطاق، وربّما هلعًا، ليس من النقّاد؛ فهؤلاء لا يعرفون سوى الاجترار، بل خوفًا من قارئ قميء يشبهني. لا أرغب في أن أواجه ذاتي مجسّدة في شخصٍ آخر، لقد كنت حادًا كمقصلة في وجه كل ما أقرأ؛ ضع هذا مع كومة الكتب التي أحرقها ماو، وضع ذلك في فردوس بورخيس. لا مجال لكتب أضعها في الليمبو*، فالجحيم أوسع من ألّا يتّسع لجميع الكتب الرديئة في العالم.

          الآن، أودّ لو أكتشف مكمن الرغبة، فقط لأعرف السبب الذي حداني لنشر عملٍ لي، ذلك العمل الذي تبين أنه باكورة لسلسلة من الخطايا التي اكتشفت أنّني أعتزّ بها، ولا أبالي إن غفرها الله لي أم لم يغفرها. بعثت يومًا مخطوطًا لدار نشر صغيرة وتم نشره، لا أدري حقيقة ما إذا قد تمّت قراءته، لكنّه نشر على أية حال. انتظرت طويلًا أن يكتب أحد شيئًا عن الرواية، لكنّ ذلك لم يحصل، وهو ما شجّعني على الاستمرار؛ كان ذلك بمثابة الفتح، النبوءة. فيما بعد بعثت بالكثير من المخطوطات، وقد تمّ نشر جميعها.

***

           ضوء أبيض ساطع، لا أستطيع أن أرى شيئًا، لا أعلم أين أنا. البياض يكلّل كل شيء كما لو أنّها القيامة.

***

(3)

الظلّ ينكفئ

          صباح آخر أطلّ من النافذة، لا شيء غريب. منظر القمر يزاحم الشمس في النهار ينشر شيئًا من البهجة في الأرجاء. صوت ساعي البريد الذي لم يتأخر يومًا عن الساعة السابعة ينتشر في المكان. أسمعه يتوقّف للحظات وهو يضع رسالة ما في أحد الصناديق، ثم يعاود العمل. أفتح باب الشّقة لأجد رسالة تطلّ برأسها من صندوق بريدي. كانت تلك أوّل رسالة تصلني في حياتي، لكن لم يكن ذلك أقلّ غرابة مما ورد في الرّسالة:

" إلى نوح

          لقد تردّدت كثيرًا في أن أرسل لك. كان ذلك هاجسًا يراودني لسنتين على أقلّ تقدير. هناك شيء ما في مخيلة القارئ، يجعله يشعر بأن الكتّاب يعيشون في عالم آخر، منفصل كلّيًا عن عالمهم. مهما بدوا لطافًا وهم يبتسمون على أغلفة كتبهم، فإنهم حتمًا لن يزجوا بأنفسهم في علاقة لا تعرف مغبّتها مع أحد قرّائهم، وإن كانت تلك العلاقة لا تتجاوز بضع كلماتٍ ترسل في البريد. ليس هذا ما كان يشغلني حقيقة، ما يشغلني هو أنّني ربّما أكون مخطئة، وأنّني أعيش في ذات العالم الذي تعيش فيه أنت. كان عليّ بداية أن أتجاوز الشّعور بأنّني أفقد شيئًا من ذاتي إذا أنا خطوت خطوة تجاه التّواصل معك، فاحتمال أن لا تردّ لا يزال قائمًا، بل هو الاحتمال الوحيد الآن، حتّى يظهر احتمالٌ آخر.

*

          كان ذلك  قبل ثلاث سنوات، حينما كنت أنا وصديقتي نتجوّل في إحدى المكتبات. لديّ عادة سيّئة بالاهتمام بأغلفة الكتب وصفحاتها الأولى. لا أستطيع تذكّر عدد الكتب الرديئة الّتي اشتريتها إعجابًا بالغلاف. كنّا على وشك المغادرة يومها، قبل أن ألمح اسمك منقوشًا على إحدى الرّوايات. "نوح" وحده، لا اسم قبله ولا بعده، هل فكّرت يومًا في العلاقة بين ذكر اسمك منفردًا وأسماء الآلهة؟ كان ذلك غريبًا على أيّ حال، إلى الحدّ الذي جعلني أرغب في إمساكه. أعتذر لك عن شيئين، غلاف الرواية لم يكن أكثر من خربشات طفلٍ لا معنى لها، وعنوانها كان ساذجًا للغاية. 

          على الرغم من كل ذلك ولسبب لا زلت أجهله، فتحت الصفحة الأولى، صفحة الإهداء: "إلى الّتي ستقرؤني يومًا ما"أخالك تعرف ذلك الشعور، عندما تعتقد أنّ الكاتب يخاطبك أنت شخصيًا، أنت من بين كلّ البشر. لقد كنتَ تخاطبني حينها، وإن لم تعرفني بعد. ضممت الرواية لمجموعة المشتريات، ثمّ غادرت. هل أقول لك الآن كم كان رهيفًا "مجدي العجوز" الذي ماتت زوجته - العجوز هي الأخرى - قبل أن يصالحها، فعاش بعذاب ضمير إلى أن انتحر؟. هل أقول لك أنني عدت بعد يومين فقط، لأشتري لك عملًا آخر؟. هل أقول لك أنّني أنهيت قراءتك في أقل من شهر، ثم ما لبثت أن عشت فراغًا كبيرًا ما زال يلاحقني حتى الآن؟.

          لم أكتب لك حقيقة لهذا السبب، فربّما يصلك العديد من الرّسائل من هذا القبيل. ربّما أيضًا لم أكتب لسببٍ بعينه، مجرّد الرّغبة بالتّخفّف من الشّعور بالمسؤولية تجاه ما قرأت هي الّتي حسمت الأمر ودفعتني للكتابة. وبهذه الحالة، فإن هذه الرسالة موجّهة لي بقدر ما هي موجّهة لك.


*

          لا شكّ عندي أنّك تعرف ثربانتس؛ ثربانتس مات وهو لا يعلم أنّ "دون كيخوته" باتت ثروة قوميّة لكلّ الناطقين بالإسبانية. أحيانًا، لا ضير بأن يعيش الإنسان ظلًا؛ فحتى الظلال تصبح أطول ما يمكن عند غروب الشمس.

سلمى "

***



           ضوء أبيض ساطع، لا أستطيع أن أرى شيئًا، لا أعلم أين أنا. البياض يكلّل كل شيء كما لو أنّها القيامة.

***

(4)

بعد زوال الظلّ

         في مكتبة عموميّة، يتجوّل فيها ثلّة من القرّاء الناعسة وجوههم، يقلّب كلّ منهم كتابًا أو كتابين  دون أن يبدو عليهم أيّ فهم لما يقرؤون، تمتدّ يد إحداهن إلى كتابٍ ممسوح المعالم، في الصفحة الأولى مكتوبٌ بالخط العريض "حكاية ظلّ؛ سيرة ذاتيّة" أسفلها اسم الكاتب "نوح". تفتح القارئة صفحة عشوائية من منتصف الكتاب، وتقرأ:

         "من يتوقّع أن تُكتب لرجلٍ حياة جديدة، وقد جاوز عمره السبعينَ؟ ليس هذا فحسب، فأن يكون السّبب في ذلك رسالة فهذا ضرب من الجنون. هذا كلامٌ عصيّ على الفهم إلا لمن خبر ذلك؛ فمن ذاق وحده قد عرف. من يصدّق أنّ كل المخاتلة الّتي زعمتها طوال حياتي، اندثرت مرّة واحدة، كأنها لم تكن. أسأل نفسي بين الحين والآخر، هل أغضبني معرفة وجود قارئة لي - الله وحده يعلم أين تقطن -؟ بناء على ما سبق، فهذا سؤال وجيه. لكن، أيّ إنسان أكون حينما أنكر الابتسامة التي ضبطت نفسي متلبسًا بها بعد الانتهاء من قراءة تلك الرّسالة؟ أكره استخدام هذا المصطلح الرّكيك؛ "إنّها الحياة". لكنّها فعلًا الحياة، تصفعني بمؤخرة يدها على وجهي المترهّل فتؤلمني أيّما إيلام. لا تفهموا من كلامي أنّني بِتّ أرغب في أن أصبح مقروءًا. لا، ما زلت على رأيي السابق، ولكن بتحوير قليل؛ لا أحب أن يقرأني إلّا من يقوى على احتمال الكثير من الهراء والملل، وأن لا يؤثر قراءة البعض لي، على كوني عشتُ ظلًا وسأموت هكذا."

         افترّ فمها عن تنهيدة، قبل أن تغلق الكتاب وتعيده مطرحه وتسرع خارجة من المكتبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الليمبو (Limbo): موطن الأرواح التي تُحْرم من دخول الجنّة.


(Canto III - Inferno - Dante Alighieri)