الأحد، 14 سبتمبر 2014

البحث عن الجمال في "La Grande Bellezza"

          حين أنظر إلى لوحة كلاسيكية، وأعجب بها، لا أجد صعوبة في معرفة السبب. لعلّ الكلاسيكيّة بما تحيل إليه من زمن ماضٍ تشرح سبب فهمي للوحة. الماضي يمثّل للكثير جنّة فقدت، ولّى زمانها وحلّ زمنٌ أكثر سوادًا بدلًا منها، حتّى لو لم يكن الماضي كذلك فعلًا. وربّما يفسّر ذلك سبب ربط النّاس الماضي بالطفولة، وبما تكتنز به من براءة لم يعد لها من وجودٍ وسط هذا الزخم الحياتي، الذي تختلط فيه المشاعر تجاه الأشياء، ابتداءً بما يشكل على عقلنا من المسائل وليس انتهاءً بالثوابت التي كنا نعتقد أنها تؤثث حياتنا بشكلٍ أو بآخر.

          هذه البراءة، تتجسّد أمام أعيننا حين ننظر إلى أيّ لوحة كلاسيكيّة. خذ مثلًا أعمال الرّسّام النرويجي أديليستين نورمان حول المضيق البحري (Norwegian Fjord)(1) الذي كان يرسمه. قد تبعث كلّ لوحة من لوحاته شيئًا مختلفًا في نفس الناظر، لكنّ جميع من ينظر إليها، بلا ريب سيتّفق على شيء واحد: أنها رسومات عن مضيق بحري. حقيقة بسيطة، لا يمكننا أن نختلف حولها، ما لم يكن هناك خلل لدى المستقبل. في الواقع هذا النّوع من الفنّ مباشر، مباشرٌ بشكلٍ فجٍّ أحيانًا، وحين أصفه بذلك لا يعني على الإطلاق الانتقاص منه، الأمر لا يعدو عن القول بأنّني أعرف هذه الأشياء، أو لديّ تصوّر مسبقٌ عنها. هذا الوضوح، يغيب حين تشاهد لوحة لأحد رسّامي المدرسة التكعيبيّة مثلًا. قد تشاهد لوحة غيرنيكا لبيكاسو(2) مئة مرّة، أو قد يشاهدها مئة شخص، ولا أخرج / يخرج أحدنا بانطباعٍ مشابه للآخر. عدا عن كون اللوحة غير كافية وحدها لفهم الأرضيّة التي رسمت عليها، والبعد السياسي / الإنسانيّ الذي تشير إليه. كلّنا شاهدنا الوجوه المرتعبة، والسيف المكسور الذي تعلوه وردة صغيرة، الثّور ذو العينين المنفصلتين، الأرجل والأيدي المفصولة. لا بدّ أن انطباعًا بوحشيّة ما قد يطفو إلى ذهن المشاهد، لكن لا شيء أكثر. المشهد يظلّ غائمًا وضبابيًا  – ربّما هكذا كان في ذهن بيكاسو أيضًا، مشهد غائم وضبابي، رسمه كما هو دون أيّة تعديلات – ما لم يخبرك أحدهم أنّها جسّدت معاناة سكّان بلدية غورينيكا في إقليم الباسك لدن قصفها من قبل الطيران الألماني - الإيطالي الموالي لحكومة فرانكو أثناء الحرب الأهليّة الإسبانيّة.

          إذن فالمسألة هي الوضوح أو اللاوضوح إن جاز التعبير. كلّ ذلك خطر لي أثناء مشاهدة فيلم باولو سورينتينو الأخير "الجمال الباهر / La Grande Belezza" (2013). تحت أيّة خانة منهما يمكن أن نضع الفيلم؟ الجواب كان سهلًا: لا أعرف!. تداخل القصص الثانويّة مع القصّة الرئيسية (على افتراض وجود واحدة) أذاب الخيط الفاصل بينها حتّى غدا الرئيسي ثانويًا والثانويّ رئيسًا، هكذا حتّى نهاية الشريط.

          "جيب غامبارديلّا" صحفي، كتب رواية واحدة في حياته، ثم توقّف 40 سنة عن قرض هذا الصنف الأدبي. السؤال اللاحق، الذي يمتدّ على مدى ساعتين وخمس عشرة دقيقة: لماذا؟ الجميع يريد أن يعرف الإجابة. قد يعبر في البال عددًا ممّن اشتهروا بعد اعتزالهم فنّهم، أو عدم تمكنّهم من المضي قدمًا فيه. كالكاتبة الأمريكة هاربر لي صاحبة رواية "أن تقتل طائرًا بريئًا" (1960). في حوار لها(3) مع الصحفي روي نيوكويست (Roy Newquist) يعود للعام 1964 اعترفت أنّه ثمّة رواية ثانية، لكنّها تسير ببطء. وفي موضعٍ آخر تقول: "لقد وجدت أنني لم أعد أستطيع الكتابة... لدي ما يقرب من الثلاثمائة صديق لا ينفكّون عن زيارتي لاحتساء فنجان قهوة. حاولت الاستيقاظ في السادسة صباحًا، لكن ما حدث لاحقًا أن جميع من يستيقظون في السادسة صباحًا تجمعوا عندي". لم تكتب هاربر لي رواية ثانية، وظل اسمها مقرونًا بروايتها الوحيدة. هل "جيب غامبارديلّا" نسخة جديدة من هاربر لي، أو سواها؟

          تسأل "رامونا" صديقة "جيب" الغانية، لماذا لم تؤلف كتابًا آخر؟ فيجيب "لأننّي أتسكّع كثيرًا في الخارج ليلًا. روما تضيع عليك الكثير من الوقت، إنّها إلهاء، والكتابة تحتاج إلى التّركيز والسّلام". وفي موضعٍ آخر، وهو يسير على جانب نهر التيبر يعترف بأنّه أراد أن يكون ملكًا لحياة الترف، وقد نال ذلك. يتعرّى هنا تناقضه الداخلي، إذ كيف لروما أن تكون أداة إلهاء، وقد اختار هو هذه الطريق بنفسه؟ لكنّ المخرج يلقي لنا إشارات للفهم على امتداد الشريط. في المشهد الافتتاحي للفيلم يصوّر سائح يابانيّ روما من مكانٍ مرتفع، ثمّ ما يلبث أن يصاب بسكتة، ويموت من فوره. وفي مشهدٍ آخر، يودّع "رومانو" صديقه "جيب" ليعود إلى مسقط رأسه، حين يسأله "جيب" عن السّبب، يجيب: "لقد كانت روما مخيبة لي". يتكرّر ذات السؤال كثيرًا، سواءً من الخارج أم من الداخل (جيب ذاته)، لكنّ جوابًا قاطعًا يخرج حين تسأله القدّيسة ماري عن السبب؛ فيجيب "كنت أبحث عن الجمال الباهر (La Grande Bellezza).. فلم أجده"

          تأخذ المرأة مساحة لا بأس بها من حياة جيب، أقصد المرأة الفاعلة في حياته، ليست تلك التي يتعامل معها بشكلٍ يومي كمحررته الصحفية مثلًا. نكتشف في اعترافٍ مفاجئ، أن خيبة "جيب" الأولى لم تكن روما، ولا حتّى روايته الأولى غير الناجحة بل كانت حبيبة سابقة، هَجَرته في وقتٍ قريبٍ من توقفه عن الكتابة. لا يأخذ المشهد مساحة عريضة من الشريط، لكن شيئًا ملموسًا في وجه جيب يتغيّر كلما مرّ ذكرها، حتّى أنّه يستطيع أن يشاهدها (في خياله) مرّتين، الأولى كاد فيها أن يموت دهسًا من قارب وهو يسبح، والثّانية، في نهاية الفيلم، كانت أشبه بولادة جديدة له في عالم الكتابة.

          كلّ شيء محتقنٌ في روما، على كلّ جمالها إلّا أنها تسوق مواطنيها إلى خيباتهم ببرود قاتلٍ لا يأبه لضحيته. برع باولو سورينتيونو في كشف ذلك باستخدامه البديع للكاميرا؛ إذ تظهر روما بأبهى حللها، بكنائسها ومنازلها العتيقة، أنهرها وحدائقها. وفي الوقت ذاته حاول تكثيف المشاعر في أوجه الممثلين، عن طريق تقريب العدسة على وجوههم إلى الحد الأمثل لقراءة ما ورائها. بهذا النقاء الهائل للصورة والألوان الزاهية، والسيناريو الغائم، والحضور القوي للمكان يحاول سورنتينو أن ينحت اتجاهًا خاصًا به، ربّما يشاركه توني سيرفيلّو (جيب غامبرديلّا) فيه برابع فيلم يقومان به سوية بعد "One Man Up" (2001) و "The Consequences Of Love " (2004) و "Il divo" (2008) و هذا الفيلم.




 (موسيقى الخاتمة)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ