‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 1 نوفمبر 2024

اختبار المسافة بين الحانوتي والجثة: عن عرض "السما بتمطّر عصافير" لناصر محمد

 (بإذن من مؤسسة مَماغ)


مثلما يبغت الذئب سهلًا زاخرًا بالكائنات المذعورة

فيرأف بها

ويستدير نحو منعطف آخر

كأن كل هذا الظلام لا يكفي لنحيب ذئب مثلك

 

ما أجملك أيها الذئب

جائع

وتتعفّف عن الجثث

 

-        قاسم حدّاد

 

كمن مسَّهُ السحر

قبل أسبوعين، أكثر أو أقل، في شهر أيلول على أيّ حال، قدّم ناصر محمد، الذي لستُ مستعدًّا بعد لوصفه بفنّان أو كاتب أو ناشط أو أيّ تعريف سواها، عرضه "السّما بتمطّر عصافير" على تراس مؤسّسة مَماغ باللغة العربيّة، على أن يتكرّر العرض باللغة الإنجليزيّة في وقتٍ لاحق. حضرتُ شيئًا من البروفات، فاعتقدتُ أنّني فهمتُ شيئًا، مع اعتدادٍ بالذات مفاده أنّه لم يكن من داعٍ لتعويض ما غاب عنّي. يوم العرض، كنتُ أجلسُ مع صديقتي في مكتبة المؤسّسة التي أعملُ أمينًا لها، وكنّا نقطع التدخين والصفن في الأفق المفتوح على عمّان الشرقيّة، بالتحدّث أحيانًا. قلتُ لها إنّ لا رغبة بي لحضور العرض، وبشيء من السخرية ألمحتُ إلى أنّني لم أفهم منهُ شيئًا.

مع نهاية العرض، جلستُ لأسلّم على ناصر وأتحدّث مع المعارف والأصدقاء الذين ملأوا فراغات التراس. جلس معَنا صديق لصديق، ليسأل عن رأيِنا في العرض. ومثل أيّ أردنيّ يتعلّم رَوْزَ المقابل قبل أن يفتح فمه، أجبت بجملة تختبر المسافة بيننا: حلو، لكنّ تحفّظي الوحيد بأنّني لا أرى مكانًا للناشطيّة وسط الأعمال الفنيّة. انتفض، كمن مسّهُ السّحر، كأنّني شتمتُ أمّه في لحظة تجاوزني فيها الزمن، ثمّ لقّنني والسامعين درسًا طويلًا في معنى الفنّ الحديث القائم على البحث والتعليم، في معنى "الأداء" الذي ينسحب على كلّ مفاصل الحياة من كرة القدم إلى السياسة إلى حسن نصر الله وصولًا إلى عرض ناصر. نعتَنا بالقدامى (بمواربة، فنحنُ لم نرقَ لمقام الخطاب بالضمير الأوّل)، بكلمات تعتذر طوال الوقت عن عدم إتقانه العربيّة. سأله صديقي عن تعريفه للجمال، عن رؤيته لدوره في الفن: فقال سوري، أتقصد إيسثتكس أم بيوتي؟ وبين رغبتي بضربه على أمّ عينيه، وكراهتي للتردد الذي اعتراني فجأة من احتمال نقصٍ في معرفتي، من غياب المرجعيّات المشتركة التي قد تجعل النقاش يذهب إلى أيّ مكان سوى العنف، قلت لصديقي الذي أخذ في التفكير: فكّر بكانط، بالجمال في صورته المثاليّة، دون أن أقوى على القول إنّني لم أقرأه في حياتي، سوى ما أُعطيناه في التوجيهي.

المسافة لحظتها بدت أكبر من القياس، وعمّان لم تفشل، على عادتها، بأن تجمع التناقضات الصارخة، بين أقسى العته الفكري وأقسى التواضع الأخّاذ، وبينهما، كان صديق آخر، عاين الأضرار ثمّ انسحب من الجلسة، فانسحبت وإيّاه.

 

ما لا يُمكن نطقه

تعرّفتُ إلى ناصر بداية العام، في عشاءٍ أشبه ما يكون بواحد من عشاءات هانيبال ليكتر بنسخة مادس ميكلسين؛ ناصر واحد من ثمانية فنّانين حصلوا على منحة للإقامة في مؤسّسة مَماغ للعمل على مشروع فنيّ. قبلَها، مرّ إلى المكتبة، ولا أستطيع القول إنّني تنازلتُ عن ريبتي منه منذ اللقاء الأوّل (رغم أنّ الريبة هنا تبدو سابقة على المعرفة أصلًا، وهو شيء لا أنفيه عنّي بأيّ حال)، فقد كان مفعمًا بطاقةٍ لا قِبلَ لي بها، طاقة بوسعِها ردم الصراعات في شرقنا الأوسط الحبيب، وخفض جناح الذل والرحمة لا للأم والأب فحسب، بل لخلق الله جميعًا (والخبر دومًا ما ترى لا ما تسمع). أخبرَني أنّه عمل في المسرح، وبأنّه ينتوي تطوير قدرته أكثر فأكثر على صياغة أعماله القادمة باللغة العربيّة. العشاء، الذي أعدّه فنّان آخر مقيم في المؤسسة، كان عملًا فنيًّا بدوره، حيث أَعدّ طبقًا يتمثّلُ فيه كُلَّ فنّانٍ وفنّانة من المقيمين الجدد دون معرفة مسبقة بأيٍّ منهم. ما أذكرُه أنّ الأطباق كانت لذيذة للغاية، فانكببتُ عليها بنهم من تخلّى عن قياس أفعاله على مسطرة الذوق، وأراد أن يأكل الفنّ الحديث، برمّته، لينتهي بحمدلة الله على تسخيره الأمعاء لتقوم بالباقي.


(بإذن من مؤسسة مَماغ)

لا أذكرُ طبقَ ناصر، لكنّني أعرف فقط أنّه ليسَ بارعًا في الحديث عن نفسه، فقد بدت حياته أقرب لقصص الأطفال المعنيّة بتقديم موعظة أو عبرة، لكنّها، في الآن ذاته غير معنيّة بالكلام، كأنّ لسانه يتحرّك عنوة عنه، ساردًا أشياء عن العصافير، عن الطرق المفتوحة والمشي أبعد ممّا عمّر الله حتّى، وهذا كلّ ما هنالك. ما سواه كان بالونات ملأ بها عقلي الفراغ الذي لم تجد الكلمات مبنًى يلبسها حتّى يُخلق المعنى. أتشكّك بنفسي أحيانًا قبالة فنّانين مثل ناصر، أو مثل من ظننت أنّه ناصر لحظتها: هل بات ترمب كلّ ما هنالك؟ ألم يعُد شيءٌ يعني شيئًا في عالم الذكاء الاصطناعي؟ على العموم، هذه ليست أسئلة موجّهة لناصر.

لم يعجبني العرض الأوّل، المُقدّم بالعربيّة، ولم أستطع غصبَ نفسي على القول إلّا: يعطيك العافية، أمورك كويسة؟ ليشكرني ناصر بدماثة، مؤكّدًا أنّه ممتنّ لانتباهي لأموره. أمّا العرض الثاني، فبغتةً وعلى النقيض من الأوّل، فقد كان أشبه بانفجارٍ، انفجار ساكن يحدث في الداخل ولا نعاين سوى أعراضه، الكلمة التي ظلّت تتردّد في رأسي طوال العرض بصوت المحلّل النفسي مصطفى صفوان، وهو يقول إنّ التحليل النفسي يتلخص في جملة لنيتشه، الذي قال "هناك كلام ثقيل على الأذن، لكن نُطقه غير ممكن [...] والرغبة، التي هي أساسٌ لكلّ هذا ستجد مجالها لأن تُسمع عن طريق التوريات"[1]، ليكمل بأنّ ما لا يُقال، يتحوّل إلى عارض، هذيان، بوسعنا، لو سمحت لنا الإبستمولوجيا بقليلٍ من العبث، أن نسحبه على امتداده لنضيف إلى السابق كلام دولوز عن أنّ الهذيان ليس مرتبطًا بالطفولة بالضرورة، بل بالعالم الواسع[2]: بالأوتوسترادات التي تصير كفنًا كبيرًا لطيورٍ مدهوسة، بالطرقات التي يهيم بها ناصر لساعات ماشيًا، متلفّتًا، خائفًا من الجهات، حتّى تصير الجهات كلّها خطرًا نُعاين أضراره ريشًا وعظامًا مهروسةً وبقايا دماء، بغزّة التي ذكرها ناصر أكثر من مرّة أثناء عرضه، دون ربطٍ مباشرٍ معها يمرّغها بوحلِ استجداء عاطفة جمهورٍ، ذاك الذي رغم تبلّده (ربّما تبلّدي الذي أُسقطه عليه)، باتت غزّة تعني له العالم، بنفسِهِ التي فكّرتُ بأنّه يدفن شيئًا منها مع كلّ طيرٍ دفنه، باللغة التي تصير لسانًا مشقوقًا، أحدهما، رغم أنّه يمثّل اللغة الأم، يبدو أشبه بلغة زوجة الأب كما يصفها أنطون شمّاس "فالأم التي أرسلتني ذلك العصر، بلغة عربية، لشراء بذور عبّاد الشمس، باللغة العبرية، لم تكن تعلم هي الأُخرى أنها تسلّمني إلى الرابّة، إلى زوجة الأب الأُخرى، بكل ما تحمله هذه الكلمة من تداعيات سلبية في جميع الأساطير الشعبية العالمية؛ لم تكن تعلم هي الأُخرى أنها تسلّمني إلى رابّة تنهب الملكية وتصادر الأملاك، وتشتّت وتشرّد وتهجّر وتقتل باللغة العبرية"[3]؛ هي العربيّة (على غرابة الأمر)، بكلّ ما فيها من قهرٍ لا يساعد تاريخ نشأة كثيرين منّا على نفيه أو التنصّل منه، إذ ما من أحدٍ يقرّر، وهو في الصفّ الأوّل، أن يسجّل نفسه في مدرسة لا تعلّم إلّا الإنجليزيّة. وثانيهما، وجد في الإنجليزيّة بيتًا فاستراحت إليه مفاصله تعبًا، وقبل أن يغطّ في النوم، استحالَ نومه صراعًا، هلوسةً تبدّت تمرّغًا على الأرض، تبعتها قيامةٌ وسخريةٌ من الذات، من الأفكار الكبيرة حين تتحطّم جثّة طائرٍ على خيط شارع أو في قبضة عِجال السيارات المُسرعة، إلى الأفكار الصغيرة، حيث يقول ناصر في نقطة ما من العرض، وهو يتمسّك بشجرة ويحرّك جسده ذهابًا وإيابًا، بصوتٍ يظهر التماسك دون أن يفلح في مقاومة الاهتزاز، أو استحالة الفكرة "قبل ثلاث سنوات قررت أكتشف كل أشجار المدينة وطيورها".

لكن أيّ مدينة تلك يا ناصر؟

 

لا نهاية للكلام، لا نهاية للسقوط

العرض، ببساطة مُخلّة، وهو من باب ما لا يُلخَّص، مطروحٌ في العنوان: الدنيا بتمطّر عصافير. جملة خبريّة، تقع على الحدّ الفاصل بين الحقيقة والخيال، بين أن تكون فصلًا ممجوجًا في رواية لهاروكي موراكامي، وبين واقعٍ صوّرته كاميرا ناصر عصافير مدهوسة على جوانب الطرقات. وبإخلالٍ أكبر، فالعرضُ يقدّم لنا، على مدار ساعة، سجلًّا للعصافير التي تقاطعت معها خطوات ناصر أثناء مشيه، بعد أن فارقتها الحياة لغفلة الناس والسيارات عنها. عصافيره ليست غاضبة مثل عصافير هيتشكوك، ليست رمزًا ميتفازيقيًّا، ليست مدفوعةً بعماها لضرب الأسطح الزجاجيّة، بل هي كائنات منزوعة الإرادة الحرّة، محكومة بمصيرٍ مأساوي من جهتين: مأساة موتها التي يصحّ أن تكون ملهاةً من ناحية، ولا يصح أن تكون كذلك جرّاء غياب الوعي بتلك المأساة من الناحية الأخرى؛ إذ ما هي إلّا… طيور محكومة بثقة عمياء بقوّة بصرها.

يحاول ناصر أن ينقل شيئًا من تجربة العصافير، لكن ليست بحقيقتها، بل بمحاكاتها، بأن يصير بنفسه صورةً عن العصفور، صورةً واعية بافتراقها عنه قدر وعيها بلا جدوى رؤية العالم بعينيه. 

في الطريق إلى ذلك التخييل، يقرأ لنا نصًّا طويلًا، مملًّا في الحقيقة لو نُظر إليه بوصفه نصًّا مرهونًا للقراءة فحسب (كما فعلتُ أوّل مرّة أطلعني عليه، حيث أغرقتُهُ بأسئلة حول القيمة والجدوى والنظرة للمجتمع والرأسماليّة، حاول أن يقفز عنها جميعًا، لنخرج من النقاش بشكرًا باهتة قيلت حياءً، من الطرفين)، يجاوره فيديوهات قصيرة لشوارع تعجّ بالسيارات والقبور التي فتحها ناصر للعصافير في المدن التي تواجد فيها، وأصوات همهمة وتهويدات يجترحها بحنجرته مباشرةً أمام الجمهور، ليُصار إلى ترديدها وفق نسقٍ جنائزيٍّ طوال مدّة العرض. وبين هذا وذاك، يفتعل ناصر بجسده حركاتٍ تتمثّل العصافير، تنتهي كلّها بالسقوط، والتمدّد بوداعة كاذبة على الأرض، أو قُل مُعترضة، لكن لكثرة الأشياء التي تحتجُّ عليها، يبدو أنّها لا تحتجُّ على أيِّ شيءٍ، ربّما مثل مريضٍ أعناهُ الكلام مع طبيبه النفسيّ، ووصلَ إلى الإدراك الذي يخجل التحليل النفسي من الاعتراف به: أنّه لا نهاية للكلام، تمامًا كما لا نهاية للسقوط.

 

عن العصفور وصورته

سألتُ نفسي أثناء العرض: كيف يمكن له أن يذهب خطوةً أبعدَ بهذا الغضب، خطوةً تجاه قولِ شيءٍ عن هذه العدالة الغائبة؟ جاوبتُ، بشيءٍ من التردّد: لعلّه بإفشاء شيء عن ضعف المرء نفسه، ثمّ علّقتُ علامة الاستفهام.

التقيتُ العام الماضي بفنّانة لإجراء لقاء عن عملها الذي، ولو للحظة، اجتمعت وأصدقائي على رؤية شيء من الجمال فيه، أو هكذا أحسب. لكنّنا خَرَجنا بخُفّي حنين، فالمقابلة كانت أشبه بنميمة ممتدّة لساعتين من الزمن، اجترار لجلساتها مع من التقت وتأثّرت بهم، دون كلمة واحدة عن دوافعها هي لرسم ما ترسمه، عن رؤيتها، أيًّا كانت، للوحاتها المفرطة بالعُري، والأجساد التي تندّ عن شهوة ما، لبعضها، وللعالم الذي تودّ أن تخرج من إطار اللوحات لإغوائه، لكن عبثًا.

فكّرتُ فيها وأنا أشاهد ناصر، وسألتُ نفسي، من جديد: أيُدرك شيئًا عن الفاصل الذي يصطنعه بين الواقع، بما هو عليه، وصورته؟ أو، كما قال المعلّم الثاني: "ولا يظُنَّنَ ظانٌّ أنَّ المغلِّطَ والمحاكي قول واحدٌ، وذلك أنّهما مختلفان بوجوه: منها أنّ غرض المُغلِّط غير غرض المحاكي، إذ المُغلِّط هو الذي يغلّط السامع إلى نقيض الشيء حتى يوهمه أنّ الموجود غير موجود وأنّ غير الموجود موجود. فأما المحاكي للشيء فليس يوهم بالنقيض، لكن الشبيه"[4]، أو ما قاله الشيخ الرئيس: "والمحاكاة هي إيراد مثل الشيء وليس هو هو، فذلك كما يحاكى الحيوان الطبيعي بصورة هي في الظاهر كالطبيعي"[5].

 

(بإذن من مؤسسة مَماغ)

 

ما يفصل ناصر عن صديقتنا الفنّانة، هو عين ما يفصل المحاكاة عن التصديق، المحاكاة عن الأشياء على حقيقتها، إذ رغم أنّ "القول الصادق إذا حُرّفَ عن العادة وأُلحق به شيء تستأنس به النفس"[6]؛ يظلّ القول الصادق أقرب للجهل التام، مُلحِقًا بالنميمة والأحاديث المُجراة خلف أبواب الجامعات المغلقة والكافيهات رديئة القهوة واستوديوهات الفنّانين قيمةً لا امتداد لها أبعد من نفسها، من الكلمات التي قيلت بها، في تجاهل تامّ لكون "الناس أطوع للتخييل منهم للتصديق، وكثير منهم إذا سمع التصديقات استكرهها وهرب منها"[7]، أو هذا ما فهمه ناصر على أقلّ تقدير، بإدخال التخييل عنصرًا في عمله، إذ طالما اقترن الأخير باللذة، وفي اللذة إيذان لإذعان النفس، بل ربّما تحطيمها على هيئة عنقاء مضادّة، ترضى بالرماد مصيرًا أحلى من نارٍ لمّا تكُن يومًا بردًا وسلامًا.

ندركُ ونحنُ نشاهد ناصرًا يتلوّى أمامنا أنّه ليس عصفورًا، لكنّها حقيقة مُغيّبة طوعًا، خاصّة مع الأنغام والإيقاعات، التي هي مادّة التأثير المُستدعاة، موسيقى ورقصًا (أو ما يشبه الرقص)، فـ"عمل اللحن في الشعر هو أنّه يُعدُّ النفسَ لقبول خيال الذي يُقصدُ تخييله"[8]، ذلك كي "يوقع في ذهن السامعين الشيء المُعبَّر عنه بدل القول"[9]؛ والقول هو ناصر نفسه، الذي قال في لحظة تماهٍ بين العصفور وصورته إنّه "يفضّل أن يهبط مع الطائر الذي يقع، دافنًا جزءًا منّي [معه]".

 

(بإذن من مؤسسة مَماغ)

 

ما غاب عن العرض وما حضر

طوال العرض، ظللتُ أنتظر شيئًا ما حسبتُه غائبًا، ففكّرتُ، مرتكنًا إلى حدس لا حائط يستند إليه، بأنّ ذاك الغائب كاد أن يُوجد (أو يظهر، إذا ما افترضنا غياب الوعي به) مرّتين خلال العرض. الأولى، وقد كانت لحظة تبدّت فيها الخيبة على وجه ناصر حين أعيته محاولة إصلاح الميكروفون المعقود على رقبته، ففكّه بعصبيّة حبّذا لو أنّها استحالت تحطيمًا له، إلّا أنّه تمالك غضبه، ولجأ إلى ميكروفون آخر.

الثانيةُ لحظةٌ توسّطت الدفن المجازيّ الذي اضطلع به، حيث شرع في حفر قبرٍ في حديقة المؤسّسة، إلى جانب القبر الذي دفن فيه طائرًا وجده مُغلّفًا في صحن مسخّن مُلقى على مشارف وسط البلد، ثمّ توقّف فجأةً، وراح يُطلِعُ الحضور على ريشاتٍ ثلاث، سقطن منه دون قصدٍ وهو يتحرّك بين الحضور. لحظتئذ، تمنّيتُ لو يتركها ملقاةً هناك، استعارةً ثقيلةً عن العصفور الغائب، في لحظة تخلّى فيها الزمن عن سلطته، لتسقط الريشات في حضن طبيعةٍ كلّ ما فيها يسير إلى مبتغًى له، لكنّه التقطها بسرعة، في حركة تشبهه أكثر ممّا تشبه الفنّ.

 

(بإذن من مؤسسة مَماغ)

 

وهكذا، حضرني ما أسماه ابن سينا يومًا أذًى يحدث جرّاء الفقد[10]، فأدركتُ أنّ الغائب عن العرض هو السقوط، حرفيًّا لا مجازًا، لإغلاق دائرة الغضب الذي مسحَ وجه ناصر ويديه، وكذا جسده الذي لم يكُن مرنًا كما في العرض الأوّل، ليفيدَ ناصر من قلّة المرونة تلك بإضافة طبقة من الصراع، إذ إنّ جسده الذي، في اللحظة التي استحثَّهُ فيها على القيام بما يعرف قدرتَه عليه، أبى، لكن ليس بالقدر الكافي لاستغلال ذلك الوهن لإحداث صدمة أكبر.

كان عليه أن ينهار، وهو يحفر القبرَ مثلًا، تمثّلًا بالفعل الثوري الوحيد الذي يعترف به فرانكو "بيفو" بيراردي، حين يقول: "لكنّ جيشًا جديدًا ينهضُ من أركان العالم الأربعة، بلا راياتٍ، وبلا مستقبل، وأمله الوحيد هو الانتحار"[11]. تلك الخشونة في الجسد، كانت أقرب شبهًا لرُكَبٍ تسيبُ لا لحظة موت العصفور، بل لحظة معرفة أنّه قد مات، فلا هي انهارت، ولا هي أكملت فاعليّتها، إلّا شكليًّا؛ فالجسد ظلّ واقفًا في نهاية العرض، وإن انحنى قليلًا.

لم يجئ الهبوط من عَلٍ، ذلك الذي جلستُ أنتظره على تراس ينتمي لعمّان الشرقيّة قدر انتمائه للغربيّة، ولا عزاء لنغمة ثانية ظلّت تهشّ إليها النفس، حتّى طلعت عند ابن سينا "لأن لتأليف الصوت خاصية ليس لسائر التأليفات، وذلك لأنّ النغمة الأولى من النغمتين المؤلفتين مثلا، تهش إليها النفس، هشاشتها لكل جديد من المستحبات الواصلة إليها، ثم تتحرك بعد انخزالها لما يسرع فواته، مما يعز على النفس حصوله، ثم يتدارك ذلك الانخزال، ويتلافى ذلك الانكسار، طلوع نغمة أخرى كأنها تلك الأولى، معاودة في معرض آخر، له نسبة مقبولة إلى المعرض الأول"[12]، وغابت عند ناصر، مخلّفةً فراغًا لم أستطع ملأَهُ بنفسي. وهكذا، ظلّ السقوط مؤجّلًا، واللذة أملًا لا رجاءً قابلًا للتحقّق، وما أحسستُ بأنّ حدوثه ملائمٌ بات ليلتها طاقةً مفتوحةً على فقد بحجم السماء.

 

الفنّ بين المسؤولية والناشطيّة

لعلّ الإحساس بالمسؤولية لدى ناصر، ما أسميته ناشطيّة في البداية، هو ما كان غائبًا عنّي. لعلّ بقاءه واقفًا يقاوم السقوط، عن وعيٍ أو بغيابه، هو عينُ ما وصفَتْهُ جوديث بتلر يومًا بالقول "تصادفنا كلمة أخرى، صفعة، أي مخاطبة أو تسمية تؤدي فجأة وعلى نحو لا تفسير له إلى ذبحنا، وحتى عندما يبقى الإنسانُ حيًّا بوصفه هذا الكائن الذبيح فإنّه يمضي في الكلام، ويا للغرابة!"[13]، لعلّ هذه المفارقة -بإدراك أنّ المذبوح بات زومبي، ماتَ، لكنّه "يا للغرابة!" لم يمُت، بل احتفظ بالقدرة على الكلام- هي ما أعطت ركبتيه التوازن الذي احتاجتاه كيلا ينفجر في البكاء، أو يستسلم للأرض، رغم أنّه استسلم لها نومًا في نهاية العرض، تمامًا مثلما ابتدأ، ليكمل دائرةً ما كان لها أن تنتهي على هذه الشاكلة، أو هكذا أحسب.

(بإذن من مؤسسة مَماغ)

أعود لأفكّر بأنّني حسِبتُ أشياء كثيرة تبدّى خطؤها في نهاية المطاف، ربّما لغيرةٍ تتكشّف على هيئة إغلاقٍ للأعين، يعقبها تخيّلُ أنّ بوسعي أن أقدّم عرضًا كالذي قدّمه ناصر (بسهولة، مع طرقعة للأصابع)، لأفتحهما، فأجده واقفًا، بهيًّا، يُطالعني بعينين بريئتين عن كلّ ما سبق، ويقول لي بطريقة أودّ لو ألكمه بعدها: بحب نقعد، ونحكي أكتر.

أمّا أنا، فلا أحبّ يا ناصر.


الجمعة، 13 مارس 2015

قراءة الذات، أو الأنا ذاتا وموضوعا

Throes of Creation by Leonid Pasternak
           
            على مرّ التاريخ اتخذ الأدب لنفسه مواقع مختلفة من حياة الناس والمجتمع. ففي بعض الأحيان، تموضع في مواقع مرتفعة، يستشرف فيها المستقبل، وربما يتنبأ – استنادًا للخيال – بأشياء لم تكن موجودة من قبل. جول فيرن (1828 – 1905) مثلًا، تنبأ ببناء ناطحات السحاب ذات النوافذ الزجاجية، واختراع القطارات فائقة السرعة والآلات الحاسبة في رواياته (1). على جانبٍ آخر، قد يكون الأديب مرآة، تنعكس عليها النظرية، فلسفيّة كانت أم علمية، ويحولها بإعمال الخيال إلى حكاياتٍ شائقة. يعتقد ديكارت (1596 – 1650)، بأنّ "الأنا" (الذات) سابقٌ وجودها على وجود العالم، وعلى أيّ وجودٍ آخر (أنا أفكّر؛ إذن أنا موجود) (2)؛ لذا، فإنّ كل ما يقع خارجها هو "آخر" (موضوعٌ للذات). لا أعلم إن كان ديكارت قد فكّر بالتالي: هل يمكن أن تكونَ "الأنا" ذاتًا وموضوعًا في الوقتِ ذاته؟ بمعنًى أبسط، هل يمكن أن يتعامل الشخص مع ذاته كأنها ليست منه، كأنها شيء محايد؟.

            نجد أنّ هذا السّؤال، كان حاضرًا في ذهن عددٍ من الكتّاب، ومخرجي السينما. في هذا المقال، سنستعرض معكم أربع وجهات نظرٍ، تتمحور حول هذه الفكرة.

1-      خورخي لويس بورخيس.

            يشتغل بورخيس في قصصه على عددٍ من الثيمات، لا ينفكّ يدور حولها، مع اختلافِ المعالجة الفنّية كلّ مرّة. اشتغالاته عادة ما تتمحور حول الزمن، اللانهيائية، المتاهات، الأحلام، المرايا، النمور، والمكتبات. وفي قصّته "الآخر"، لم يبتعد عن موضوعاته الأثيرة سالفة الذكر. تفتتح القصّة بقوله "حدث ذلك في كامبرج، في شباط 1969. لم أقم بأية محاولة لتدوينه في ذلك الوقت، فقد كان هدفي آنذاك أن أتناساه، خشية على عقلي". الذي حدث، أنه أثناء جلوس بورخيس على أحد مقاعد جامعة كامبرج، وإذ به يرى "بورخيس الآخر" يجلس بجواره، بورخيس ذو الخمسة عشر عامًا. إثر صدمة البداية، والخوف الطبيعي الذي صاحبها، يتحرّر كلاهما من محاولة التبرير، ليبدآ التعرّف على بعضهما. يحدث بورخيس الكبير الآخر عن الكتب التي سيقرأها، عن موت أبيه، وزواج أخته. عن القصائد والقصص الفنتازية التي سيكتبها. لكنّنا لا نرى كبير اهتمامٍ من بورخيس الآخر، وكأنّه بحدسٍ ما، كان يعرف أنّ كل ذلك سيحصل له، أو ربّما هو مجرّد اطمئنان لنسخته الكبيرة. قد تكون القصّة بأكملها، مجرد محاولة للإجابة على سؤال "كيف أصبحت ما أنا عليه؟" أو "كيف كنت قبل أن أصبح ما أنا عليه؟". يختتم بورخيس (الكبير) القصّة بالقول "لقد حلم بي الآخر، ولكنّه لم يحلم بي تمامًا". في الواقع، هل يهمّ من حلم بالآخر، فهما ما هما عليه "متشابهين جدًا، ومختلفين جدًا".

Jorge Luis Borges Vs Jorge Luis Borges

2-      أورهان باموق.

            تجدر الإشارة بداية، أن أورهان باموق متأثرٌ جدًا بكتابات بورخيس، لكنّ جعبته مليئة بالألعاب، فحين يكتب عن فكرة مطروقة، يحوّلها بشكلٍ غريزيّ إلى شيء أصيل، خاصٍ به وحده. في الفصل الافتتاحي لروايته / مذكراته "اسطنبول الذكريات والمدينة"، المعنون بـ "أورهان آخر"، يختار أورهان الحديث عن شكوكه من وجودِ نسخة له، في أحد بيوت اسطنبول "ساورتني، منذ نعومة أظافري، شكوك في أن دنياي بها أكثر مما أرى: في مكانٍ ما في شوارع اسطنبول، في منزلٍ يشبه منزلنا، أورهان آخر يشبهني لدرجة يمكن أن يقال معها إنه توأمي، أو حتى قريني." على مدار الكتاب، يقرن الكاتب نفسه مع المدينة "إنّ قدر اسطنبول قدري". فحين يقول بأنّه يبحث عن أورهان آخر، لربّما هي محاولة للقول بأنّه يبحث عن مدينته الخرِبة، المنهارة إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية "كانت اسطنبول دائمًا، بالنسبة لي، مدينة الخراب وسوداوية نهاية الإمبراطورية. وقد قضيت حياتي أحارب هذه السوداوية أو أجعلها (مثل أهل اسطنبول جميعًا) سوداويتي." لعلّ – في العالم الآخر – أورهان يكون سعيدًا، وسط مدينته التي اكتست بالألوان من جديد، بعد أن كان لا يراها إلا بالأبيض والأسود.

Orhan Pamuk


3-      باتريك زوسكند.

            باتريك زوسكند، هو أقلّ هؤلاء الثلاثة طرقًا للفكرة. بل حتّى أنّه حين طرحها، كان الطرح يصبّ في سياق بعيدٍ كلّ البعد عمّا نحن في صدده (قراءة الذات، أو الأنا ذاتٌ وموضوع). في كتابٍ له، نشر لأول مرة عام 1995 بعنوان (ثلاث حكايات وملاحظة تأملية)، ملاحظة أدبية بعنوان "فقدان الذاكرة الأدبية". يحكي فيها بتحسّرٍ عن اضمحلال ذاكرته الأدبية مع تيّار الزمن. إذ لم يعد يستطيع استحضار ما قرأه متى أراد، وحتّى لو عاد للكتب نفسها، فإنه ينساها بمجرد أن يغيب عنها. يطرح زوسكند أسئلة كثيرة، كأنما يلقيها في الفراغ "هل قرأت ثلاثين عامًا عبثًا؟" "ألا يوجد كتابٌ في العالم أستطيع تذكّره؟". لكن، ألا يمكن أن نعتبر أنّ هذه الأسئلة، لا يلقيها سوى على نفسه، ليس بحالته الحالية (الآن)، بل على الآخر، زوسكند الصغير الذي قرأ كل هذه الكتب؟ هو يسائله، بشكلٍ ما "لماذا لم تخطر ببالك هذه اللحظة؟ لماذا لم تتحصّن ضدها". يعزّز هذه الرّؤية، نصيحته للقرّاء عامّة في نهاية الملاحظة "عليك ألا تستسلم لفقدان الذاكرة المهول هذا، أقول، عليكَ أن تصمدَ بكلّ قوّة في وجه سيل نهر النسيان، عليك ألا تغرق كليًا في نصٍّ ما، بل عليك أن ترتفع فوقه بوعيٍ واضح...". زوسكند الحالي هو ذاته زوسكند قبل ثلاثين سنة، لكن ما بينهما، هوّة بحجم ما نسيه من الكتب.



Patrick Suskind


4-      مايك كاهيل.

            مايك كاهيل هو مخرج أمريكيّ شاب (1979)، أخرج ثلاثة أفلام حتى اللحظة، وثائقيًا واحدًا وروائيين. في فيلمه الروائي الأول (Another Earth)، ناقش فكرة علميّة بسيطة، ماذا لو اكتُشف عالمٌ شبيهٌ بعالمنا حدّ التطابق، إذ نعيش فيه نحن أنفسنا، لكن دون أن نشعر بذلك. لا يبدو أن الفيلم مهتمٌ بأن يناقش نظريّات علميّة كما في فيلم (Coherence) الذي تطرّق لنفس الفكرة تقريبًا وحاول شرحها طبقًا لنظرية (قطّة شرودنغر)، بقدرِ ما هو مهتمٌ بمناقشة تبعاتها على الإنسان / البطلة تحديدًا (رودا ويليامز؛ قامت بأداء الدور بريت مارلينغ). رودا طالبة صغيرة السن، لحظة الإعلان عن اكتشاف الكوكب الجديد (الأرض الأخرى / الثانية) تدخل السجن لحادثٍ جرى معها. تخرج بلا مستقبل، فتحاول الانضمام إلى حملة لزيارة الأرض الجديدة "كمنبوذة، لا يحق لي أشياء كثيرة. ربما، ما عدا هذا الشيء (تقصد زيارة الأرض الثانية). ربما أنا الأفضل لذلك." هكذا تخاطب وكالة الفضاء في طلبها الانضمام للرحلة. لعلّ ما يميّز الفكرة التي أرادها المخرج (وهو كاتب السيناريو)، ليس مجرّد الالتقاء بذواتنا في مكانٍ آخر، ولا ما نفكّر فيه تجاهها، بل ما تفكّر فيه هي تجاهنا. يسأل أحدهم رودا في الفيلم عمّا تودّ قوله لنفسها لو قابلتها، فتجيب: "حظًا أوفر في المرّة القادمة" "حقًا؟" "لا، لا. أعني، متأكّدة أنّني سأظلّ صامتة".

Brit Marling & Mike Cahill, in cast of Another Earth


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:


للاطلاع:

2-      فيلم Coherence.
8-      جول فيرن.

الخميس، 16 أكتوبر 2014

النسبيّة الجديدة: إسرائيل في أعين الكتّاب العالميّين!

          “بين خيار جدارٍ عالٍ وصلد، وبيضة تتكسر على هذا الجدار، سأقف دومًا في صفّ البيضة” هذا ما قاله الروائي الياباني هاروكي موراكامي ،لدن تسلمه جائزة القدس لحرية الفرد في المجتمع سنة  2009(1). قال ذلك في معرض تبريره قبولين؛ قبول زيارته إسرائيل بعد حربها الأولى على غزة (2008-2009)، وقبوله الجائزة في ظل الصراع القائم.


هاروكي موراكامي مع شمعون بيريز
          لا يبدو أن نظرية آينشتاين النسبيّة مقتصرة على تفسير الظاهرة العلميّة (تغيّر: الزمن، الكتلة، الطول) فقط، بل يبدو أنّها تتعدّاها إلى النظرة الأخلاقيّة للصراع الفلسطيني / الإسرائيلي القائم منذ سنوات بعيدة. الإطار المرجعي الذي يتحدّث منه الشخص (موراكامي هنا) يجعلك تشعر بحجم المسافة الشاسع بينه وبين القضية. فالمسألة ليست “إطلاق أحكامٍ حول الصواب والخطأ” كما يقول، قد يكون الجدار على صواب والبيضة على خطأ. وكأنّه لا بدّ أن يكون هناك فرقٌ بين ما هو صواب، وما هو محتّم أخلاقيًا. يقول موراكامي في موطنٍ آخر من خطاب تسلمه الجائزة، أن أحد أسباب مجيئه كانت أنه لا ينصاع لما يمليه عليه الآخرون؛ الآخرون الذين نصحوه بعدم المجيء. هو إذن جاء ليستكشف الوضع عن قرب، أي أنه غير ملمّ بالشكل الكافي ليدلي بحكمٍ فصل. ومع ذلك لا يمكن أن يمرّ كلامه دون استشعار الحرج الذي وضع نفسه فيه؛ هو مع البيضة، لكنّه واقف في الطرف الذي ستُلقى فيه!.

بول أوستر يصافح شمعون بيريز. وفي الوسط الكاتب سلمان رشدي
          هذه النسبيّة، ليست مقتصرة على موراكامي وحده. الأمر ذاته ينطبق على العديد من الكتّاب ذوي الشهرة والمكانة العالمية، كبول أوستر (أمريكا / 1947) وجون كويتزي (جنوب أفريقيا / 1940) الحائز على جائزة نوبل 2003. الأمر مختلفٌ في حالة الإثنين؛ فبول أوستر تربطه وشائج عقائدية بإسرائيل نظرًا ليهوديّته. وكويتزي يدّعي أن المكوّن الثقافي ليهوديي لأوروبا ساهم في تشكيل وعيه (فرويد وكافكا خاصّة) على عكس العرب والمكون الإسلامي اللذين لم يكن لهما أي أثر عليه. في رسائلهما لبعض المعنونة بـ"Here And Now 2008-2011" (2012) يخرج أوستر بحلّ جذري للمسألة: أن يُنقل جميع الإسرائيليّون إلى ولاية وايومنغ (ولاية واقعة في الجزء الشمالي الغربي لأمريكا) فهي منطقة قليلة التعداد السكاني، لن يلبث الإسرائيليون أن يعمروها بلمح البصر. وهكذا ينتهي كلّ شيء!. يقول في نهاية الاقتراح أنّه حلّ يعلم أنه لن يتحقٌق، ثم يعود ليصفه بالحل (المزحة). على الطرف الآخر يكتب كويتزي رأيه بمباشرة أكثر، هو مدركٌ لحجم الغبن والافتقار للعدل اللذين عومل بهما الشعب الفلسطيني، لكن لا حلّ أمامه سوى الارتضاء بالهزيمة، كما ارتضت بها ألمانيا من قبل!. من ثم، وفي ارتدادٍ مفاجئ يعلن وقوفه، إن اضطرّ للاختيار بين أصدقائه اليهود – الذين يعني لهم الكيان الصهيوني الشيء الكثير – وإحقاق العدالة التاريخيّة، في صفّ أصدقائه!.

          مع إسقاط بعض الفروقات الصغيرة، الشخصية في الغالب، نلاحظ أن ذات الالتباس يتكرّر لدى جميع هؤلاء الكتاب. هناك فهم حقيقي وعميق لطبيعة الصراع، لكنّ اللحظة التي يتطلّب الأمر فيها اتخاذ موقف، تسيل الأمور حتّى لا يمكن الإمساك بها، من ثمّ تأتي تبريرات واهية من قبيل الصداقة والحب لبعض اليهود في حالة كويتزي، وأن إسرائيل قائمة على التسامح في أساسها في حالة أوستر، وأنها قامت على حرية التعبير في حالة موراكامي.

          كعرب، وشاهدون مقربون على أحداث قمع يوميّة، وثلاثة حروب خلال أقل من ست سنوات. علينا أن نسائل أنفسنا: هل يحقّ لنا مطالبة (الآخر)، سواء كان كاتبًا أم كان شخصًا أقل ثقافة بأن يتبنّى موقفًا جادًا من إسرائيل؟ إن كان كذلك، أليس الأولى التنبيش بذوي القربى أولًا، خاصّة لو كان كقامة رفيعة مثل نجيب محفوظ اذي لم يتوانَ عن تأييده لمعاهدة كامب ديفيد(2) التي أبرمها السادات مع مناحيم بيغن (المرتبط بمجزرة دير ياسين (1948)) سنة 1978؟ أم أن المبادئ لا فصل فيها بين عربيّ وآخر غير عربيّ؟.

خورخي لويس بورخيس
          يظلّ التاريخ الشاهد الأفضل على الكثير من المواقف المخزية أحيانًا؛ كموقف خورخي لويس بورخيس، القاص الأرجنتيني الشهير الذي ناصب إسرائيل وتحمّس لعصابات الهاغانا. بورخيس ذاته الذي كتب عن المتاهات يبدو أنّه دخل إحدى متاهاته دون أن يدري حين كتب قصيدة "إلى إسرائيل" نسة 1967 : 

"في هذا الكتاب (الكتاب المقدس) أنتِ، 

مرآة تُرى فيها :

الوجوهُ المنحنية على نفسها

ووجه الرب الكريستالي القاسي

حيث الفزع في الثنايا.

بوركت يا إسرائيل، لتحمي جدار الرب

في قلب المعركة."


          إلّا أنّ التاريخ ذاته، لا ينسى أولئك الذين نظروا للأشياء من إطارٍ واحد، سواءً شاءوا التأكد عن قرب أم فضّلوا المكوث داخل قوقعتهم؛ كجوزيه ساراماغو الذي قال بعد زيارته لمخيم جنين عام 2002 : “كل ما اعتقدت أنني أملكه من معلومات عن الأوضاع في فلسطين قد تحطّم، فالمعلومات والصور شيء، والواقع شيء آخر، يجب أن تضع قدمكعلى الأرض لتعرف ما الذي جرى هنا. يجب قرع أجراس العالم بأسره لكي يعلم أن ما يحدث هنا جريمة يجب أن تتوقّف. لا توجد أفران غازٍ هنا، ولكن القتل لا يتم فقط من خلال أفران الغاز. هناك أشياء تم فعلها من الجانب الإسرائيلي تحمل أعمال النازي في أوشفيتس. إنها أمور لا تغتفر يتعرّض لها الشعب الفلسطيني."

ساراماغو أثناء زيارته لفلسطين
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): جائزة القدس لحرية الفرد في المجتمع.
(2): تأييد نجيب محفوظ لمعاهدة السلام.

الجمعة، 27 يوليو 2012

مجرد أرقام


ليتني أتخلص من كل هذا. أحاول الخروج للحظات كي أستنشق بعض "الأكسجين"، لكن ما زالت قدماي تسحبان إلى الأسفل. أختنق ثم أعود لأحيا...

لقد مر علي وقت طويل على هذه الحال. لا أدري هل أصبحت مهووسا أم أن ما يحصل هو مجرد أعراض عادة ما ترافق الحمى. الشيء الوحيد الذي اعرفه أنني لا يمكني أن أتخل عن كل تلك الأرقام التي سجلتها في طرف رأسي من الأسفل حيث توجد الذاكرة...

أدري أنها مجرد أرقام، لكن أليس واقعنا أصبح مليئا بالأرقام ؟! ألم نصبح في عصر إما أن تكون فيه الرقم "واحد" أو أن تكون الرقم "صفر" ؟! بلى، لقد وصلنا إلى هذا الحد...‏

وما عزائي في هذا الأمر إلا أن الأرقام التي أطمح لها أرقام مختلفة عن تلك التي عند "بلغيتس" وأمثاله. أرقامي أسمى من ذلك بكثير...‏

أدرك صعوبة الأمر، والمخاطر التي قد أواجهها، لكني متأكد من أن شق النور ليس ببعيد عني... ‏
                                                                                                                                                                                                            

                                                                        نذير عبدالله ملكاوي  
                                                                        كانون الثاني 2012