‏إظهار الرسائل ذات التسميات بوح. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بوح. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 19 يونيو 2015

في معنى الاختلاف

"في بلد عم تكبر فينا
كل ما الدّنيا بتصغر
علينا وأمانينا
بنربّي الأمل تا يكبر
وبيكبر فينا الشّوق
زي بحّار للمينا..."

        ربّما أجمل الأشياء هي التي نفعلها بلامبالاة كبيرة. كان الجو حارًا، ولم يفصلني عن امتحان السيركيتس سوى يومٍ واحد. ظهر على شاشة الفيسبوك لدي إعلان للراغبين في تعلّم فنّ الحكي. كان أي شيء كفيل بشدّ انتباهي بعيدًا عن الكتاب المسجّى أمامي. غرقت في تعبئة الطلب حتّى وصلت إلى البند "يرجى كتابة فقرة  توضح الأسباب التي تقف وراء رغبتك المشاركة بهذا البرنامج التدريبي !". لحظة قراءة هذا البند، تذكّرتُ فيلمًا شاهدته منذ مدّة قصيرة "Another Earth". في الفيلم ثمّة طلب كان على البطلة تعبئته للاشتراك في رحلة فضائية. كتبت يومها شيئًا مؤثرًا. لكنّ الحياة ليست فيلمًا، أليس كذلك؟ سأبدو ساذجًا لو قلّدتها. لكن، قلت لنفسي، لأكتب كأن أحدًا لن يقرأ ما سأكتب، فهذا المشروع في النهاية "Too good to be true" كما يقال.

       قبل الإقامة بأربعة أيّام كتبت قصّة قصيرة، عن رجلٍ يحاول الانتحار، لكنّه قبل أن يقصّ شريط الحياة يقرّر مشاهدة بضعة أفلامٍ تدور حول الانتحار، وينتهي به الحال حائرًا كمن يقف بين الأرض والسماء. في الوقت الذي كنت أكتب فيه القصّة، كنت كمن ينظر في المرآة إلى وجهه؛ وجهه الذي لم يعد يعرفه. في درج ما داخل رأسي، كنت أخبّئ كلّ الأشياء الكريهة، الأشياء التي لا تبان معها الحياة سوى بالأبيض والأسود. المفارقة أنّني كنت أعتدّ بهذه الأشياء، وأحسبها رمزًا لاختلافي. كنت أسخر من كلّ شيء، ربّما محاولًا تمثّل شخصيّة هولدن كولفيلد (بطل رواية الحارس في حقل الشوفان) الذي لم يرى في العالم والأشياء المحيطة به سوى الزّيف.

       صباح اليوم الافتتاحي للإقامة، خرجتُ من البيت مع أمّي. سألتني: شو رح تعملوا بهالأسبوع؟. كان لديّ فكرة وإن كانت غائمة بعض الشيء، لكنّني أجبتها، بأنني لا أعرف، من ثمّ ذهبت. كان الهدف هو أن أكسر الدائرة المغلقة المحيطة بي. يقول صديقٌ لي، أنّ الخوف انتقل إلينا بالتطوّر، نتيجة لخوف الإنسان الأوّل من الحيوانات البرّيّة. المجهول حيوانٌ برّي بدوره، لذا حين رأيت المشاركين / المشاركات، توطّن الخوف في قلبي، ولم أعرف ما الذي أفعله بينهم. ذكّرت نفسي أن الألفة كذلك قد تكون انتقلت إلينا بالتطوّر، فالإنسان الأوّل تصالح مع بيئته، على صعوبتها. ومن الجيّد كذلك أننا أصبحنا أكثر خبرة باختصار الوقت والمسافة.

       كنتُ أفكّر في اللحظة التي يمكن أن أعدّها فارقة في مسار الإقامة. فكّرت أولًا في تيشيرت هيلين، لكنّه لا يعدو أن يكون مقدمة جيدة. من ثمّ فكّرت في الجو الحميم الذي عبر أثير الباص في طريق الذهاب. لكن لا، كانت اللحظة الفارقة، مثلما هي الآن ماثلة أمام عينيّ، حين قالت سرى، ونحن نضع الأعراف المطلوب اتباعها: ما حدا يحكي عن كلام حدا سخيف، لأنه ما في اشي سخيف. دائمًا ما تعجّبت ممن يؤكّد على أشياء مسلمٌ بها. فمثلًا يكثر التأكيد في الاعتصامات على شرعية المطلب (أيّ مطلب)، أو على عروبة فلسطين (مثلًا). كنت أشعر في مثل هذه الحالات بوجود خطأ ما، ما الفائدة من التأكيد والتذكير بمسلمات بديهية؟. لكن، حين قالت سرى ذلك، شعرتٌ بحجم السيولة التي كنت أعاني منها، ومن انزلاق أبسط المفاهيم منّي.

       يستخدم كونديرا تعبير "عالم انعدام التجربة" ليشرح المأزق الوجودي الذي وقعنا فيه. نحن لم نجرّب هذه الحياة سلفًا؛ كيف سنتعامل معها إذن، مع المواقف الصغيرة التي تخلّف أثرًا كبيرًا؟. لو تفاعلنا مع مقولته هذه، كيف ننعت شيئًا، أي شيء، بالسّخف؟ السّخف هنا، هو التّمترس حول مقولاتنا الماضية، ورصف كل جنودنا للدفاع عنها دون الاستماع للآخر. لحظة سمعت تلك الجملة، شعرتُ بالتّحرّر، وأصبحتُ أكثر تصالحًا مع ما يصدر منّي من أشياء. وأقلّ مراقبة لها.

       في (الحارس في حقل الشوفان)، يعجز هولدن عند سؤاله عن شيء واحدٍ يحبّه في هذه الحياة. أنا لستُ مثله بطبيعة الحال، لديّ عدد لا بأس به من الأشياء الّتي أحبّها، لكن حتمًا، إن كان عليّ الاختيار سأذكر هذه الإقامة كواحدة من أهم الأشياء في حياتي. كان بودّي لو كتبت عن كلّ شخصٍ بعينه، فأنا بالطبع أمتلك الكثير لأحكيه، لكن المكان يضيق عن المراد، عدا عن رغبتي في الاحتفاظ بالتفاصيل لنفسي، ففيها تلعب كل الشياطين الجميلة. لكن فيّ رغبة جامحة لاستعارة مقولة الطّيب صالح، إذ أنّ الجميع كانوا "نادرين على طريقتهم" (هيلين، سالي، آلاء، علي، آلاء خان، حسام، خالد، راما، رشا، رند، سرى، عامر، عمر، ماجد، محمد، ميال، ندى، يحيى)، ويكفي أنّكم حقيقيون، ويمكن لمسكم.

      


الخميس، 23 أبريل 2015

دفاتري الثلاث

        مشاريع مؤجلة. هي مؤجلة وستظل هكذا. لماذا؟ ربّما لأنّ فيها من الجمال ما يقاوم الرغبة بتأطيرها. يقول إيكو "فالشخص إذ يتأمل اللوحة يشعر بحاجة إلى فتح الإطار ورؤية كيف يمكن للأشياء أن تبدو إلى يسار اللوحة أو إلى يمينها. هذا النمط من الرسم شبيه تماما بالقائمة، كسر للانهائي"(1).هكذا تمامًا أرى المشاريع المؤجلة؛ قوائم كثيرة، مدونة على عجلٍ في دفترٍ أسود وصغير. تبدأ الأشياء عادة من خلال التفكير بصورتي بأعين الآخرين "شوف، شايل معه دفتر". غالبًا ما أخجل من هذه الفكرة، فأبدأ بمداراة صورتي لأبدو طبيعيًا قدر الإمكان. لكن الأشياء الصغيرة تفتنني، أشعر بصوتٍ خافتٍ – ربّما للأشياء أصواتٌ حقًا – يجذبني نحوها. لديّ لغاية الآن ثلاثة دفاتر، اثنان منهم متخمان كطفلٍ سمين، والثالث يطالع موقعه على الرف فوقهما. مرعبٌ كم الأشياء غير المنجزة التي كتبتها داخلها. ومبهجٌ كم الأشياء التي تمكّنت من إنجازها كذلك. أفتح صفحة عشوائية من الدفتر الثاني، وأقرأ:

22-5-2014

1-      شراء رواية ذات.
2-      الاستمتاع قدر الإمكان بمعرض نون.
3-      شراء كتاب إليكترونيكس.

        تجلب كلّ صفحة دفقة عجيبة من المشاعر. شيء أشبه بالعودة لبيتٍ قديمٍ ومهجور عشتُ فيه سنواتٍ طويلة. كلّ صفحة، هي غرفةٌ مشققة الجدران. كل زاوية بقعة من الذاكرة، أمرٌ أشبه بالالتفاف على التاريخ بتدوينه. أتذكّر أنني كتبتُ على أحد الصفحات عن مشروعٍ طموحٍ للغاية. أبحث عن الصفحة، ولا أجدها. لكنني متأكدٌ أنها موجودةٌ في مكانٍ ما. لا زلتُ أذكرُ الحبور الذي لازمني أسبوعًا وأنا ممتلئٌ بالفكرة. كنتُ يومها على الطريقٍ إلى الجامعة، راكبًا سرفيسًا يقوده سائق يظنُّ أنّه يقود طائرة. كنتُ جالسًا على الطرف، وبحضني رواية "كافكا على الشاطئ". بجانبي شابٌ بجانبه امرأة. حين وصلنا المرتفع الذي يتوسطه مفترق جرش، فتحتُ الدفتر وكتبت بخطٍّ يهتزّ مع حركة السيّارة: "مقال (تحوّل مشروع المقال إلى مشروع بحث لاحقًا) عن علاقة البحر وتأثيره في الأدب، السينما، الأغنية. من ثمّ كتبتُ الأمثلة التي ستتضمنها المقالة؛ الأدب: لا أحد ينام في الإسكندريّة / إبراهيم عبدالمجيد. البحر البحر / آيريس مردوخ. حياة باي / يان مارتل. أحياء في البحر الميت / مؤنس الرزاز. السينما: About Elly / أصغر فرهادي. رسائل البحر / داوود عبدالسيد. The sea inside / أليخاندرو أمينابار. Climates / نوري بيلغي جيلان. الأغنية: لما كان البحر أزرق / فرقة المصريين. أنا بعشق البحر / نجاة الصغيرة. البحر بيضحك ليه / الشيخ إمام. شايف البحر / فيروز. ربّما لا داعي للقول بأنني لم أخطو بالمشروع أبعدَ من إخبار صديقٍ به، من ثمّ إرجاءه إلى وقتٍ أكون وحدي سيده.

        كثرت المشاريع، وأصبح النظر إليها ثقيلٌ أكثر مما هو شيء جميل. "اكتب عن أثر فصلِ اللحن عن الكلمات في الأغاني"؛ يؤجل. "اكتب عن صوت شاكيرا"؛ يؤجل.  اكتب عن جماهير كرة القدم؛ يؤجل. "اكتب عن مسلسل قلم حمرة"(2)؛ يؤجل. قوائم قراءة؛ تؤجل. قوائم بأصدقاء يجب إعادة وصلهم؛ تؤجل. "بلّش توفير مصاري للسفر – يومًا ما يعني –"؛ يؤجّل أيضًا.

        لكن كمحاولة لترك مساحة لزاوية أخرى من الفهم، أعود وأفكّر أن الصفحات تتالى، والأشياء تتراكم. تتراكم لتشكّل أشياءً مستقلّة بذاتها. تقول فيسوافا شيمبورسكا: "ولماذا لا نقول كلمتين عن الروزنامة التي نقطع صفحاتها؟ إنها كتابٌ رغمَ كل شيء، بل وكتاب ضخم جدًا حيث لا تقلّ صفحاتها بأي حال عن ٣٦٥ صفحة"(3) دفاتري الثلاثة هذه، ربّما مثل روزنامة شيمبورسكا، هي كتابٌ واحدٌ طويل وممتد. دفاتري هي أنا؛ أنا كما أحبّ أن أكون. بعيدًا عن صورتي في أعين الآخرين؛ بعيدًا عن صورتي في المرآة؛ بعيدًا عمّا أفعله بالحياة؛ بعيدًا عن حدبة الظهر التي بدأتُ ألمحها في ظهري. وإن كان لا بدّ من محاربة الموت – على ما في فكرة الخلود من سذاجة واغترارٍ بالذات – فسأختارها هي لتظلّ من بعدي.


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



الاثنين، 10 مارس 2014

مقطع عرضي من حياتي.. أو رسالة إلى صديق

          أسير في وسط البلد وحيدًا، أحدّق في وجوه المارّة، في السيارات، في أضواء الإنارة الشاحبة. أتذكر ما قاله واسيني الأعرج مرّة في مقابلة تلفزيونية: "شيء ما في المدن العربية يجعلها حزينة دومًا حتى وهي في أقصى لحظات الفرح". ينسرب الحزن من المكان نحوي كأنما أصبحنا كائنًا واحدًا، كتلة واحدة تتعرض للمؤثرات ذاتها، ولها ردات الفعل ذاتها. كلما مشيت في شوارع عمّان، أشعر بفيض من الحب، الانتماء لأصغر ذرة رمل تفترش شوارع المدينة. تسألني أمي كلما خرجت من المنزل: مع من أنت ذاهب؟. أكذب عليها، ولا أقول أنني خارج وحدي حتّى لا تشغل بالها قبل أن تغمض عينيها على الوسادة بابنها قليل الأصدقاء.

          أسير في وسط البلد وحيدًا، وظلّك يسير بجانبي. ندخل إلى المكتبة الأهليّة المخيفة بكتبها المتراصّة على الجدران؛ كلما زرت هذه المكتبة، يراودني شعور باحتمالية سقوط الكتب من الأرفف، محيلة أحدهم إلى جاحظ جديد. تقف أمام روايات أمين معلوف؛ فأصدر حكمي الذي أندم عليه لاحقًا "ممل.. تقرألهوش". ثم تنصحني بنظرة العارف "شايف هذا الكاتب (محمد أركون)، لو شفتله كتاب بالزبالة، طوله واقرأه". أتفحص جيبي كثيرًا قبل أن أشتري كتابًا أعلم أني لن أقرأه في القريب، وتشتري أنت واحدًا لأنك قرأته 4 مرّات ولا تملكه ورقيًا. ثم نخرج من المكتبة، وتنظر في ساعتك وتقول: "الساعة ستّة، يالله نروح عشومان" وأنا أتململ، كي أكسب الليلة في غير مشاهدة الأفلام. تمضي نصف ساعة، أقنعك بعدها بعدم جدوى المحاولة: "منت شايف الأزمة كيف" تبتسم مذعنًا، فنمضي بجيوبنا شبه الفارغة- إلا من ثمن طريق العودة إلى البيت – إلى أيّ مكان. نظل نمشي حتى نصل مفترق الطرق بين العبدلي وجبل عمّان، تتذكّر أنك جائع، وتقرّر العشاء بـ "هاشم". كلما سألتك عن سبب حبك له تقول: "مش حب، بس تعوّدت.. كل ما أنزل عالبلد لازم آكل من هاشم ومن حبيبة". تحدّثني عن كونك أصبحت خالًا، ولا أعرف كيف أرد. وأحدثك عن ذات الموضوع الأزليّ؛ عن افتقادي للمعنى في حياتي. لا يطول الوقت، قبل أن نضبط أنفسنا متأخرين عن العودة إلى البيت؛ فأودّعك بلا أية حرارة، وتفعل أنت كذلك أيضًا. 

          أسير في وسط البلد وحيدًا، وأتذكّر سؤال أمّي: مع من أنت ذاهب؟ أنظر يمينًا ويسارًا، ولا يقابلني إلا رائحة البشر، والكثير من الوجوه المفرطة في الحياد. كنت أحسب المكان صديقًا مؤنسًا، فإذا به يتحوّل إلى غابة كثيفة من الأشجار، تختبئ فيها رؤوسٌ تتأهب لافتراسي، أو هكذا يخيّل إليّ. أنظر إلى السّاعة، إنها السادسة مساءً. أخرج هاتفي النقّال، وأرسل رسالة: "تنزل عالبلد، ملّان لحالي؟".. ولا يطول الوقت قبل أن أتلقّى الرّد "عندي دراسة كثير، بلكي مرّة ثانية".





الثلاثاء، 31 ديسمبر 2013

2013.. عام من الذكريات

·        عتبة أولى:

"هذا نص طويل طويل؛ انثيال كبير للذاكرة. لذا لا أتوقع أن يكمل قراءته أي مارّ مصادفة بالمدوّنة."

***

·        عتبة ثانية:

لماذا ينبغي على هذا اليوم أن يختلف عن البارحة؟ لماذا علي أن أجبر نفسي على الجلوس والكتابة عن العام الماضي؟ ماذا لو لم تكن كل هذه التقسيمات موجودة من الأساس، لو كانت الأيام تلحق بعضها بجنون دونما وجود رقم يقول بأن هذا اليوم هو أول أيام 2014 والبارحة كان آخر أيام 2013؟ تثيرني مثل هذه الأسئلة العبثية، فها أنا أكتب رغم كل تلك الأسئلة التي قد يثنيني أي منها عن الإكمال.

***

·        عن القراءة:

في الرواية، الجملة الأولى قد تساهم في صنع عمل عظيم، نوع من الحب من النظرة الأولى. أعتقد أنها فن يحتاج إلى موهبة. قرأت يومًا رواية لأورهان باموق، "الحياة الجديدة"، لا أستطيع الآن أن أصف كم كرهتها، وكم استنزفت من وقتي وجهدي. الآن، لا أتذكر كثيرًا من أحداث الرواية، إلا أن الجملة الأولى ما زالت تحوم في رأسي كأنني أقرأها للتو، لقد كانت مثل حلمٍ جميل لا ينفك يراودني. "قرأت كتاباً في يوم ما فتغيّرت حياتي كلها". كانت هذه الجملة كفيلة بأن تعتق رقبة أورهان، بل وربما رقبتي أيضًا دون أن أعلم، وأن تعيدني له الآن بعد عامين لأقرأ له كتابه الهائل "اسطنبول".

إن سلمنا بأن الحياة "رواية"، فنحن نسلم ضمنًا بأننا بحاجة إلى عتبة ما. نقطة فاصلة؛ كبوابة سحرية ربما. لا أتكلم عن نقلة من الأسوأ للأفضل، أتكلم عن شيء يخصنا، نستطيع إفناء عمرنا ونحن نلهث وراءه. أود الآن لو أتجاوز ذلك الأورهان، وأتحدث في أمرٍ آخر، لكن يبدو أنه بات لعنتي الخاصة. في كتابه اسطنبول يقول: "يقودنا تأمل الذات، ولو مرة واحدة في العمر، إلى فحص ظروف ميلادنا. لماذا ولدنا في هذا الركن من العالم وفي هذا الزمن تحديدًا؟" في يومٍ ما استيقظت، كنت في السادسة عشر من عمري آنذاك، شعرت بفراغ يكاد يلتهمني، فقررت أن أقرأ، هكذا بلا أية مقدمات، أو ترتيب مسبق. تلك اللحظة كانت إجابتي الخاصة عن ذلك السؤال، عتبتي.. التي لم أتجاوزها بعد.

وضعت تحديًا على موقع "Goodreads" هذا العام بأن أقرأ 60 كتابًا، أنجزت منها 55. وقد كان هذا أعلى رقم أصل له في عام واحدٍ في حياتي. كان شيئًا جميلًا أن أشعر بضرورة قراءة 5 كتب شهريًا، وحده الإلزام ما يمكّنني من إنجاز المهام الصعبة، وإن كان ذلك على حساب الدراسة غالبًا.

أجمل ما قرأت كانت رواية الجنوب أفريقي (ج. م. كويتزي) "خزي". كانت عملًا استثنائيًا عثرت عليه صدفة في مكتبة الجامعة. هو أحد الكتب القليلة التي أشعر بنفسي أملك كنزًا وأنا أحمله. لم يكن وحده المتميز بالطبع، فجدارية محمود درويش لا زالت حاضرة  في ذهني، رغم أنها من أوائل ما قرأت العام المنصرم؛ لمحمود درويش سحر غريب، تحدثه عن الموت كان آسرًا لدرجة أنني لا أستطيع استساغة أية قصائد تعالج الموضوعة ذاتها الآن. "ساق البامبو" كان عملًا استثنائيًا هو الآخر، والأجمل منه هو براعة كاتبه "سعود السنعوسي". هذه الرواية من الأعمال التي  لا تخرج إلا عن كاتب موهوب، أشعر أنني لي القدرة على اشتمام الموهبة وتمييزها عن العمل المتميز بسبب اشتغال الروائي طويلًا عليه؛ وهذا العمل موهوب بشكل استثنائي. لا أنسى أيضًا مسرحية "أهل الكهف" لتوفيق الحكيم، إنها عمل لا ينسى، ضرب فيها الحكيم بمفهوم الزمن عرض الحائط بحكاية ميشيلينا وبريسكا.

في الحديث عن القراءة، فضلت أن أؤجل الكلام عن بورخيس، لأفرد له مجالًا أكبر. ذلك الأعمى الذي كان يرى أوضح منا جميعًا. "الأعمى الذي رأى التفاصيل" كما وصفه أحدهم. بورخيس الذي يرى الجنة مكتبة كبيرة، بورخيس صاحب المتاهات والمرايا والنمور. بورخيس العصي على الوصف. هناك نوع من الكتاب، يظل يتردد اسمه في جنبات حياتك، تفتح الإنترنت تجده بوجهك، تبحث في مكتبة الجامعة عن كتاب مدة طويلة، فتتعثر به وأنت منهوك في البحث عن شيء آخر. تظل تؤجل قراءته إلى أن تفسح له المجال بين كتابين، لتقرر بعد أن تنته من كتابه الأول أن يكون كتابك التالي له نفسه. الكاتب الوحيد الذي رغبت أن أشتري كل أعماله دون أسأل عن أيها أفضل من الآخر هو بورخيس، يا للحظ الجميل الذي جمعني به. قرأت له "صنعة الشعر" وهي ست محاضرات ألقاها في جامعة هارفرد على طلاب الأدب، يتحدث فيها عن الشعر. للحظة تمنيت أن أكون أحد الجالسين على مقاعد هارفرد وأسمعه مباشرة بدل أن أقرأ تفريغًا لتلك المحاضرات، إنها حظوة لا أظن من نالها قد ينساها بسهولة. وقرأت له مجموعة قصصية صغيرة في غاية الجمال "ذاكرة شكسبير". ومجموعة تتراوح بين قصص وأشعار "الصانع"، كانت متفاوتة المستوى إلا أنها بديعة أيضًا. هذا العام، سوف أفرد له الكثير من وقتي، فهو خير من يقدم اللذة الأدبية.

 (هذا فيلم قصير يعبر عما أراد أن يصل له بورخيس 
طوال حياته، أعتقد أن مشاهته ضرورة حتى لمن لا
يعرفه)



***

·        معرض نون

حياتي أشبه بخط مستقيم (ولست أتحدث عن الأخلاق هنا) يشوبها القليل من التعرجات. كل ما أذكره مرتبط بطريقة أو بأخرى بالكتاب. الحدث الأبرز الذي حصل في العام الماضي، والذي يصعب أن أتجاوزه هنا هو (معرض نون للكتاب المستعمل) الذي نظمه نادي "انكتاب" للقراءة . أذكر أنني تطوعت بالقليل من الفعاليات من قبل، لكنّ هذا كان الحدث الأبرز الذي أشارك فيه. كانا يومان من العمر: العد التنازلي لبدء المعرض، الرجل الذي رفع "دشداشه" وبدأ يهرول تجاهي ليكون أول من يفتتح المعرض، الشعور بالوقوف على أدواتٍ حادة بعد 6 ساعات متواصلة من العمل على مدار يومين، الخوف من إضاعتي لكيس النقود والبدء بوضع حلول لهذا المأزق كأن أبيع هاتفي المحمول مثلًا.  الكثير من الصور التي أستطيع الاستدلال بها في يوم شؤم بأنني قد مارست الفرح يومًا. نهاية اليوم الثاني مصحوبًا بالكثير من الضحك مع الأصدقاء. الاسلتقاء على السرير بعد انتهاء المعرض والتفكير بكل الأحداث الجميلة التي صادفتني به.

·        صور من المعرض:








***

·        اسطنبول 

زيارتي لإسطنبول أيضًا كانت حدثًا عظيمًا في العام الفائت. بلاد القباب كما وصفها أحدهم. لم أرد الذهاب بداية، ورغم إصرار أهلي إلا أنني تعنّت بأنني أفضل إمضاء تلك العطلة بعمّان وحدي. لكن في اللحظة الحاسمة صمتّ؛ كان اسم اسطنبول وحده كان كافيًا ليهدم كل ملذات عمان أمامه. من بين كل المدن التي زرتها، اسطنبول تعتبر استثناء؛ مدينة لا مثيل لها. البحر يحيط بك أينما يممت وجهك، اللغة التركية التي لا أجد الكلمة المناسبة لوصف جمالها، إنها لذيذة على الأذن كطعام شهي. قد يكون ما سأقوله غريبًا، إلا أن من أكثر الأشياء التي تجذبني بالأتراك أيضًا هي شواربهم الكثّة. أول شيء يخطر ببالي حينما أسمع اسم تركيا أمامي هو البحر والشوارب، تركيا بلد يغرق رجاله بالشوارب.






*

لا بد لي في معرض ذكر اسطنبول، أن أذكر النعمة التي حباها الله لتلك المدينة بأن جعلها الوريثة الأولى والشرعية لحضارة العثمانيين. فن العمارة في بناء المساجد شيء يفوق الوصف. مساجد تطول مآذنها عن الـ 20 والـ 30 مترًا، قبابٌ بحجم ملعب كرة قدم، شيء لا يوصف، عدا عن قصر "طوب قابي" الذي يحوي العشرات من آثار الرسول والصحابة وبعض الأنبياء. كنت أرى تلك الأشياء على الإنترنت ولا أصدق، لكنني رأيتها رأي العين. أبي ما زال لا يصدقهم، إذ كيف لعصا النبي موسى على سبيل المثال أن تظل على حالها حتى الآن؟ لكنني وبكل حسن نية أقبل أن يمارس الأتراك عليّ لعبة "الضحك على الذقون" تلك. ومن باب "البينة على من ادّعى" فأبي هو المطالب بإثبات العكس لا هم.

(المسجد الأزرق - أحد أكبر مساجد اسطنبول)









(عمامة النبي يوسف عليه السلام)








*

يقول أورهان باموق عن البوسفور (ألم أقل إنه لعنتي الخاصة؟!): "إذا كانت المدينة تعبر عن الهزيمة والخراب والحرمان والسوداوية والفقر، فالبوسفور يشير إلى الحياة والمتعة والسعادة". من بين كل حسنات اسطنبول، أكتفي بجولة في البوسفور، فهي الشيء الأكثر متعة في تلك المدينة. لا أريد المغالاة بالمديح أكثر، فقد قلت ما يكفي. وسأقف عند هذا الحد.













***
·        عن الوطن العربي

عند الحديث عن الذاكرة، سيكون من المشين ألّا آتي على ذكر الأحداث في الوطن العربيّ. أحاول قدر الإمكان أن أنفصل عن الواقع الأسود الذي يحيط بنا، لكن شيئًا من تأنيب الضمير ينخزني كلما حاولت. الجحيم، هو أن تولد مواطنًا عربيًا هذه الأيام. كيف لا ولا يوجد بلد عربي وإلا فيه ما فيه من نكبات. وأنا لا أتحدث هنا عن خسارة غزوة أحد مثلًا، فما أتحدث عنه كله وليد العام الفائت. المآسي تلاحقنا يومًا بيوم كأننا قدرها الوحيد. هل أذكر سوريا أولًا أم الأوضاع المتردية في غزة مثلًا؟. لم أعد أدري أي نكبة فيهما أكبر. هل أذكر مصر، التي وقعت في ذات الجب الذي رمي به يوسف عليه السلام بعد احتلال العسكر لها مجددًا؟ أم لبنان التي يقصفها مرتدو اللحى لتطهيرنا من الكفرة الشيعيّين، ويتركون اليهود يسرحون ويمرحون في فلسطين؟. لا أريد أن أكمل، فالقائمة طويلة طويلة؛ ونكؤ الجرح لا يزيده إلا ألمًا.



(أختم مع هذه الأغنية للفرقة المغربية "الأخوان مجري")



                                                                                                                    01-01-2014
                                                                                                              السادسة والنصف صباحًا          
                     

الجمعة، 2 أغسطس 2013

ثرثرة ساعة الفجر

              كم من الكلام يلزمنا أن نثرثر به لنعبّر عن كلّ الأشياء الجميلة في العالم؟ أن أكون ممتلئًا حدّ الثّمالة، فذلك كلّ ما أريده من هذه الحياة. يزعجني بأنّ أغلب الأموات، فارقونا وهم خاوين، لم يحملوا معهم إلى مثواهم الأخير إلّا بضع خيباتٍ، لم تتركهم إلّا وقد أسلمتهم لخيبة أكبر؛ الموت. يزعجني التّفكير بأنّني قد أموت وأنا لست إلا فكرةً ، عبرت خاطر الزّمان يومًا، وتلاشت قبل أن يكون هنالك مجالٌ لتنفيذها. لا أريد أن أظلّ محض احتمال، لا أريد أن يعلّق أحدهم صورتي داخل إطارٍ حزينٍ بعد موتي. ولا أن يتدلّى رأسُ آخرٍ حزنًا عليّ كلّما سمع اسمي، لا أريد أن أكون لائقًا للحزن.

              في الشّهر الماضي، تعرّضت لحادثٍ كاد أن يودي بحياتي. ربما كان يلزمني هكذا ضربة على الرّأس كي أستفيق، وأعي ما الذي يفوتني، في الوقت الذي أقف فيه مكتّف اليدين، أناظر ما يدور حولي بكلّ بله العالم. إلا أنّني لم أستفق. ربما لم تكن الضّربة قويةً بما يكفي لكي تهزّني، أو ربّما قد وصلت حدًّا لا رجعةَ معه من اللّامبالاة.

              أفكّر، لو أنّني أعلم متى سنتتهي حياتي، هل كان ذلك ليغيّر شيئًا؟ وإن حصل وأُحدِث التغيّر المطلوب، ما الذّي يستحقّ أن أكرّس ما تبقى لي من عمرٍ لأجله؟. في الواقع، الفكرة جِدُّ مرعبة، ولا أستطيع أن أفكّر بها، دون أن يعبر خاطري العديد من الأشياء التّي تستحقّ أن تقبع في الذّاكرة ما حييت.

***

              ثمّة لحظةٌ، تستطيع أن تشعر بعدها بأنّك لن تعود كما كنت أبدًا. ربّما هي ارتعاشة تسري في الأوصال، من أعلى الرّأس إلى آخر الأخمص. أو ربّما نزول دمعةٍ تهدم كلّ المخاتلة التّي نزعم أنّنا نمتلكها أحيانًا. أو ربّما مجرّد إطراقةٍ طويلةٍ، تكاد تجزم أنّها استمرّت طوال العمر، وغيرها من الأشكال التّي لا تحصى. السّؤال هو: كيف نضبط تلك اللّحظة، لتدوم أطول وقتٍ ممكن؟ كيف لنا أن نتصوّر فقدان شيء، ما إن نتركه حتّى يحتلّنا الفراغ، الفراغ الذّي يحيلنا إلى كآبة لا قبل لنا بها؟ يمكننا ذلك، لو علمنا على وجه الدّقة، ما هي الأمور التّي تستحقّ أن نعيرها اهتمامنا، في اللّحظة المناسبة.  إلا أنّ الأشياء الجميلة لا تفصح عن ذاتها قبل أن تذهب، وهذا من سوء حظّنا، أو ربّما من حسنه.

              لو أنّني كنت واقعيًا يومًا، لربّما استطعت التّعلق بأشياء أكثر مادّية، كالعائلة مثلًا. لكن كلّ ما أعشق يتمركز حول اللّاشيء: بضع أفلامٍ اخترقتني يومًا (تحديدًا، أفلام وودي آلن، وجاك نيكولسون)، القليل من الأغنيات الخالدة، صوتكِ الذّي لم أحظى بهِ كثيرًا، مقعدٌ صامتٌ ومهجورٌ أسفل جسر منهاتن، قصّة كتبتها يومًا، ولم تعجب أحدًا، رسومات أيمن المالكي، شخصيّات مؤثّرة في رواياتٍ شتّى، كالمرحوم في رواية 366 لأمير تاج السّرّ، يسري فودة، صوت حسن حجازي الرخيم عند الساعة التاسعة والنصف من كل يوم اثنين وثلاثاء وأربعاء على إذاعة عمان إف إم... لم أعد أتذكّر المزيد، ومن الجائز أيضًا، أنّ هذا كلّ ما لديّ.

***

"تربّص بي الحزن
لا تتركيني لحزن المساء"

(أحلام مستغانمي)

              كم بِتّ أخشى المساء، فهو كائنٌ ثقيل الظّل، يجثم على قلبي فيحيلني حطامًا. المساء، يذكّرني بأجمل اللّحظات، تلك التّي لم ولن أمتلكها يومًا. يذكّرني بعمّان؛ مدينة أحلامي. يذكّرني بكِ، بأجمل الأوقات التّي قضيناها سويًا، بالمزاح الباهت الّذي كنت ألقيه، فقط كي تبتسمين.  يذكّرني بالمطر. أليس هذا تناقضًا؟ كيف يكون المساء سيئًا وهو يذكّرني بكلّ تلك الأشياء الجميلة؟ لا أدري.

***

"لا مكان،
الحبُّ يرحل،
والوجوه المُمعناتْ:
الثلجُ ماضٍ لا يحيدْ،
وقفةٌ بين المُعادْ
دورةٌ في المستيحلْ
ومضةٌ في المنتهى
والمنتهى لا يستثير
كان لي – يومًا –
مكان"

(يسري فودة)


              لست من هواة الغزل المفرط، ولا المجازات المبالغ بها، فقط أودّ أن أقول بأنّني كنت أملك مشاعرًا جميلةً نحوكِ يومًا، هي جميلة وستظلّ كذلك دومًا، مهما حصل. فأنتِ أصعب من أن أتجاوزك. إلّا أنّني الآن باستطاعتي القول، بعد أن أعبَّ كمّيّةً لا بأس بها من الهواء، أنَّ الحبّ ليس إلّا نكتة، قالها أحدهم يومًا، ولسوء الحظ قد أعجبت الكثير. تخيفني البدايات كثيرًا، ففيها يبدأ كلّ شيءٍ صاخبًا، وتعطينا أملًا  في المستقبل لن يطول قبل أن يندثر. لذلك، ما الفائدة من إكمال لعبةٍ خاسرة؟ لا شيء!.

***

              هذه أوّل مرة أثرثر فيها إلى هذا الحدّ، وهذا ما كنت أفتقده مؤخّرًا. أشعر بأنّني أصبحت أخفّ ثقلًا الآن، بل وربّما يمكنني التّحليق، وهذه فرصة لا مثيلَ لها كي أنهي ما كتبت، وأضع نقطةً في آخرِ السّطر.




(مقطوعة من فيلم "The Bucket List"
الذي جاء هذا النص بسببه)





(مقعدٌ صامتٌ "ليس" مهجورًا أسفل جسر منهاتن)




 (الصّورة مأخوذة من فيلم "منهاتن" لوودي آلن)



                                                                                                                                 ن.ع.م.
                                                                                                                             4:25 صباحًا
                                                                                                                            03-08-2013