‏إظهار الرسائل ذات التسميات انكتاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات انكتاب. إظهار كافة الرسائل

السبت، 9 يوليو 2016

في استخدام الراوي العليم: أورهان باموق وميشيل ويلبيك أمثلةً

A Tale from the Decameron by John William Waterhouse

منذ مدّة طويلة، قرّرتُ الاهتمام بتتبّع صوت الراوي في كلّ رواية أقرأها. عند قولي هذا، أحيل بطبيعة الحال إلى الراوي العليم (الصّوت الذي يتكفّل بتتبّع مسار جميع الأحداث والشخصيّات مستخدمًا ضمير الغائب في الحديث عنهم). فتعدّد الرواة أو الصوت الأوّل لا حاجة لتبريره. الراوي العليم وحده يشكّل تهديدًا حقيقيًا للروائيّين، فبقدر مباشرته (قد يكون ببساطة صوت الكاتب)، بقدر خطورة التعامل معه، إذ من السّهل أن تنزلق اللغة فيه إلى المعرفة والادّعاء.

سأطرح مثالين هنا لرواياتٍ استُخدمت فيها تقنية الراوي العليم. الأولى "ثلج" لأورهان باموق، والثانية "الخريطة والأرض" لميشيل ويلبيك. في الأولى، ولصفحات لا بأس بطولها وتنوّع الأحداث فيها، نتعرّف على كا، الشاعر الذي ينتحل شخصيّة صحفي تحقيقات يتقصّى ظاهرة انتحار فتياتٍ محجّبات في مدينة قارص الحدوديّة. قد لا يمثّل الراوي العليم مشكلة فيما لو التصق بكا وحده، لكنّه يقفز من كا إلى معشوقته إيبيك، من ثمّ إلى عددٍ من الشخصيّات الأخرى، مخبرًا إيّانا عمّا يسرّون به ويعلنون. وبين الفينة والأخرى يعطي الراوي تلميحاتٍ بكونه شخص عرفه كا يومًا. الأمر الذي يُفهم على أنّه حيلة، تتمظهر فعلًا بظهور الكاتب ذاته "أورهان باموق" في الفصول الأخيرة، ليقول لنا أنّه صديقٌ قديمٌ لكا، وهو يكتبُ ما أخبره إياه على شكلِ رواية ليس إلّا،  " قصيدة "حيث ينتهي العالم" هي القصيدة التاسعة عشرة والأخيرة التي أُلهمتْ له في قارص. [...]. في الليلة ذاتها حين عدتُ إلى غرفتي وانتشيتُ قليلًا بالخمر، وجدتُ في دفتر فتحته لا على التعيين بلورة الثلج التي وضعتها في نهاية الفصل التاسع والعشرين من هذه الرّواية"1. نلحظ هنا تحوّل السّرد من ضّمير الغائب (كا) إلى المتكلّم (أورهان)، وفي هذا تحديدًا تكمن إحدى مشاكل الرّاوي العليم؛ أنّه غير موضوعيّ فأمانته مشكوكٌ بها تباعًا، لكن حين يظهر أنّ لصوت الرّاوي جسدٌ يتمثّل به يصبح لكلّ شيءٍ قيل معنًى ومصداقيّة. لكنّني أتساءل: ماذا لو لم يخبئ باموق لنا هذه المفاجأة؟ هل سوف تتأثّر قوّة الرّواية، خاصّة إذا علمنا أنّ شخصيّة باموق في الرواية لم تلعب أكثر من ناقلٍ للأحداث (وإن أضاف إليها جزءًا من يومياته بعيدًا عن كا)؟ 

أورهان باموق


في السابق (وحاليًا؟)، حين يحكي الحكواتي قصصه، قافزًا من شخصيّة لأخرى ومن عالمٍ لآخر، لم يكن الجمهور ليسأل نفسه: كيف عرف كلّ هذا؟. الإجابة أبسط من أن تحتمل سؤالًا. لكن إن كانت بسيطةً فعلًا، فهذا ليس مرجعه أنّهم لم يهتموا بمعرفة الطريقة التي ألمَّ بها الراوي بكلّ هذه التفاصيل، بل لأنهم يوقنون أنّ الحكواتي لم يكتب هذه القصص بنفسه، بل ينقلها كما يتذكّرها. الكتابة كما أفهمها إدانة للكاتب، بينما الحكي إجازة باستباحة النصّ.

في المقابل، نجد ميشيل ويلبيك في روايته "الخريطة والأرض" (يتحدّث فيها عن عالم الفن من منظور جاد مارتان (رسّام ومصوّر فوتوغرافي)؛ عن زيف الحياة الخارجيّة مقابل امتلاء الحياة الداخليّة وغناها بالعزلة). في "الخريطة والأرض" يكتب ويلبيك من الكلمة الأولى وحتّى الأخيرة بصوتِ الراوي العليم " كان ذلك مدعاة للحنق. أصلًا، لطالما أثار المصورون، وتحديدًا الكبار منهم، حنق جاد، بادعاءاتهم اكتشاف حقيقة موديلاتهم في الصّور التي يلتقطونها لهم"2. لكن الأمر لديه ليس خاضعًا لتصنيفات الأبيض والأسود، فهو لم يكتب رواية كالعمى لجوزيه ساراماغو. أعني بشخصيّات مستقلّة عن شخص الكاتب يرويها بصوته فقط. بل إنّه أقحم نفسه في العمل، وحين فعل ذلك ظلّ يكتب بضمير الغائب!.

ميشيل ويلبيك


تثير مسألة حدود الواقع والخيال في الرواية الحديثة حنق كثير من كتّاب اليوم، ففي الوقت الذي يعلن كثير من القرّاء والنقّاد فيه موت الخيال وقيام الرّواية التي تقصّ سيرة الكاتب، أو بعضها، نجد ويلبيك يحاول عامدًا، لا أن يفصل بينه وبين شخصيّاته - وهو أحدها - فحسب، بل أن يُظهر ذلك للقارئ، فلا نجد أنّ وجود شخصه في العمل دعاه لأن يتحوّل إلى ضمير المتكلّم. "غمغم مؤلف "الجزيئيات القاتلة" بغموض، وكأنّه يسترجع حلمًا ميتًا، قبل أن يركن سيارته في موقف الفندق"3، بهذه الطّريقة يتحدّث ويلبيك الكاتب عن ويلبيك الشخصيّة كأنّها أحدٌ غيره، لا شبه بينهما إلّا في التفاصيل، الذوق، ونمط الحياة "ويلبيك يبقى شخصية ثانوية يجعل ظهورها البناء أكثر تعقيدًا"4.

أعود وأطرح، على نفسي أولًا، هل ما زالت أرى الرواية ناقصة طالما لم تبرّر صوت الراوي العليم؟ أذكّر نفسي، قبل الإجابة، بأنّ ويلبيك أخذ التقنية إلى مساحة أبعد، ووضع مسألة تطبيقها محلّ تساؤل: كيف نبرّر وجود ويلبيك(ان)، واحدٌ داخل الرواية وآخر خارجها؟. في هذه الفسحة من السؤال، يكمن جمال استخدام الراوي العليم، إذ تدفع صعوبة تبريره الروائيّين إلى مساحاتٍ جديدة لم يطأها أحدٌ من قبل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): من "ثلج" – ص390.

(2): من "الخريطة والأرض" – ص8.

(3): من "الخريطة والأرض" – ص137.

الخميس، 14 أبريل 2016

"الإحساس بالنّهاية"؛ أن تقول كلّ شيءٍ دفعةً واحدة



        هل يمكن أن يوجد مبنًى بلا نوافذ ولا أبواب، ونراه جميلًا؟ أفكّر في سؤالي حالما أنهي رواية الكاتب الإنجليزي جوليان بارنز (70 عامًا) "الإحساس بالنّهاية". كلّ ما يمكن أن يقال، قيل داخل الرّواية. لذا لا أجد أنسب من القول "اذهبوا واقرأوا الرّواية، لا شيء لدي أخبركم إياه"*.

        تحكي الرّواية قصّة "توني وبستر"، عجوز ستّيني، يعمل مسؤولًا عن مكتبة مستشفًى قريبٍ منه، مطلّق، يميل إلى المسالمة وتجنّب المشاكلِ في حياته. تصله، بعد أربعين عامًا من انتهاء العلاقة، تركة من والدة حبيبته أيّام الدراسة، قوامها 500 جنيه استرليني، ووثيقتان تفتحان بابًا واسعًا على الماضي، إحداهما يوميّات تخصّ صديق "وبستر" أدريان الذي أقدم على الانتحار منذ زمنٍ بعيد.

        يحاول بارنز في هذه الرّواية الصغيرة (181 صفحة)، أن يقدّم إجابته عن سؤال: ما التاريخ؟. لكنّه، ومنذ الصفحة الأولى لا يواري الخطيئة الأولى في فهمنا له "ما تتذكّره في النهاية ليس هو نفسه ما شهدته"*، ولا يكتفي بهذا، بل يظلّ، بشكلٍ مطّردٍ، يوحي بوهنِ ذاكرة البطل، مشككًا في كل ما قيل على لسانه، ففي النّاهية ليس ثمّة إلّا "عدم استقرارٍ عظيم"*.

        أثناء قراءتي للرّواية، كنتُ أفكّر بدايةً، بما أسماه أورهان باموق محور الرّواية. الأمر الذي نظلّ نفكّر فيه، ونحاول القبض عليه لنعلن فرحين، كمن يكتشفُ جزيرةً، أنّنا فهمنا ما أراد الكاتب قوله. يعتقد باموق أنّ الرّوايات الجيّدة، ما ينفكّ محورها يتغيّر حدّ صعوبة إمساكه أخيرًا. في "الإحساس بالنّهاية"، المقسّمة على جزئين، يقول جوليان بارنز في الصفحة الأولى "لست مهتمًا بالأيّام التي قضيتها في المدرسة ولا أشعر بالحنين إليها. لكن المدرسة هي المكان الذي بدأ فيه كل شيء، ولهذا عليّ أن أعود بعجالة إلى بعض الأحداث التي صارت حكاياتٍ"*. شيئًا فشيء، تتساءل إن كنتَ قد خُدعت، وما كان ينبغي أن ينتهي بسرعة لتبدأ بعده الحكاية الحقيقيّة، طال إلى ما يقتربُ من نصفِ الرّواية. إذن، أين الرّواية سيّد بارنز؟.

        يشرح جوليان بارنز في هذا النّصف الأوّل، كيف تعرّف على "فيرونيكا"، من صارت حبيبته الأولى أيّام الدّراسة. ويذكرُ زيارته لبيتها في أحد نهايات الأسابيع، وتعريفه إيّاها على أصدقائه الثلاث: ألكس، كولن، وأدريان. لعلّ الرّواية قصيرة كما هي، إلا أنّ قارئًا لو أراد، قد يلخّص أحداث الرّواية في صفحة، لماذا إذن امتدّت كلّ هذا؟ يبدو جوليان بارنز مفتونًا بالتنظير؛ التنظير بمفهومه الفلسفي القائم على التجريد "الأدب الحقيقيّ يدور حول الحقيقة النفسيّة والعاطفيّة والاجتماعيّة كما تجسّدها أفعال وتأملات أبطالها، فالرواية تدور حول شخصيّة تتطور مع الزمن"*، ما يعني أنّ تطوّر الشّخصيّة، الدّاخلي قبل الخارجيّ، هو جزءٌ لا يمكن فصله عن الأحداث الواقعة خارج الشخصيّات.

        لا يعني التاريخ شيئًا بلا سؤال. جميعنا نأكل، نشرب، ننام. لكن هل هذا ما نسمّيه تاريخًا؟ هناك شيءٌ ما ينبغي أن يتحطّم كي تصبح الرّحلة أقلّ وضوحًا كما يقول الكاتب. فالانتقال الراديكالي بالزّمن من نهاية المدرسة وحتّى بلوغ الستينات من العمر، بما فيه من خطورة تنطوي على القفز عن مساحة كبيرة من الزمن والأحداث، كان لا بدّ له أن يتوقّف. لذا، في الجزء الثّاني، يسعى "توني وبستر" ليعرف سرّ التّركة؛ لماذا هو؟ لماذا الآن؟ ولماذا، على طريقة سيبويه، ما زال في نفسه شيء من فيرونيكا.


من الفيلم المزمع إصداره هذا العام عن الرّواية (تشارلوت رامبلينغ بدور فيرونيكا،
جيم برودبنت بدور توني ويبستر)

        ما زال سؤال، ما التّاريخ غير مجابًا إلى الآن. أليس كذلك؟ حين سأل أولد جو هانت، معلّم التاريخ، توني وبستر هذا السؤال في صغره، أجاب: "إن التاريخ ليس إلّا أكاذيب المنتصرين"*. لكنّها إجابة سهلة، غير مخلصة للحقيقة، فحسابات النصر والخسارة ضبابيّة، غير واضحة المعالم في هذه الحياة. تماشيًا مع هذا الفهم، نبش وبستر ماضيه، كما يذكره، حدثًا حدثًا، شخصًا شخصًا. لذا كان محتّمًا عليه محاولة لقاء "فيرونيكا"، التي لم تنفكّ عن تذكيره أنّه لم ولن يفهم شيئًا، ولم ترضَ أن تتحدّث معه عن الماضي بالكثير، ما زاد من عبء السؤال عليه.

        أصرّ جوليان بارنز، إلى حدٍ بعيد، أن لا يشارك أحدٌ السرد مع توني وبستر. تقنيًا، هذا أحد أوجه تيّار الوعي، فنحن لا نسمع سوى البطل وأفكاره، وأيّ تدخلٍ آخر يتمّ عبرهما. لكن، نظريًا، يأتي هذا الإصرار كمحاولة للقول، بأنّ الرّواية هي جزء وبستر من الحكاية، لا الآخرين. جزؤه الذي أملته عليه ذاكرته بما فيها من ثقوبٍ يتسرّب الماضي منها.

        يتحدّث عبدالوهّاب المسيري في سيرته "رحلتي الفكريّة" عن ما أسماه الذئب الهيجلي المعلوماتي "وهو ذئب خاص جدًا، جواني لأقصى درجة، يعبِر عن نفسه في الرغبة العارمة في أن أكتب كتابًا نظريًا، إطاره النظري واسع وشامل للغاية ولكنه في الوقت نفسه يتعامل مع أكبر قدر ممكن من المعلومات والتفاصيل، إن لم يكن كلها..."(1). جوليان بارنز هنا حاول كتابة شيء مشابه، يجملُ كثيرًا من التصنيفات في عملٍ واحد (وصغير!). مثلًا، يمكن القول أنّ الرّواية تتماشى مع الأدب الكلاسيكي (كما وصفتها ستيلا ريمينغتون رئيسة لجنة تحكيم جائزة المان بوكر 2011)، كما أنّها رواية حداثيّة في الوقت عينه بانتهاجها  تيّار الوعي كأسلوبٍ في الكتابة. كما أنّ جوليان بارنز لم يترك النّهاية مفتوحةً، التي قد تبدو أكثر انسجامًا مع مفهوم التاريخ الّذي دأب على تأكيده في الرّواية: تركُ مساحات فارغة أكثر من تلك الملأى.

        لا شيء محتّم في الكتابة (كما أيّ شيء آخر في الحياة؟). لذا هل نعدّ رهان الكاتب على قول الكثير في عملٍ واحد ناجحًا، حين نعلم أنّه جلب له جائزة المان بوكر عام 2011؟.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*): كلّ الاقتباسات المنتهية بإشارة النجمة مأخوذة من الرّواية.

(1): رحلتي الفكريّة؛ في البذور والجذور والثّمر – عبدالوهّاب المسيري – ص: 166 – 176.



الجمعة، 19 فبراير 2016

لا شعريّة المسألة العراقية؛ حوار مع حسن بلاسم



           تعرّفتُ على حسن بلاسم قبل عام، حين أُعلن عن فوز مجموعته القصصية "المسيح العراقي" بجائزة الإندبندنت للأدب المترجم للإنجليزيّة. استغربتُ حينها، لعدم إلفي لاسم الكاتب أولًا، ولكبر حجم الجائزة ثانيًا، لا ماديًا فهي لا تقدّم سوى 5000 جنيه استرليني لكلّ من الكاتب ومترجم العمل، وهو مبلغ ليس بالكبير في عالم الجوائز، بل للأسماء التي رشحت لنيلها (وأخذها بعضهم) من أورهان باموق، إلى ساراماغو وميلان كونديرا، وغيرهم.

           يبدو أنّ غوغل نفسه لم يعرف حسن بلاسم جيدًا قبل هذا الإعلان، وإن كان لا يزال متنكرًا له بعض الشيء، إلّا أنّ هذا قد يبدو امتدادًا لشخصيّة الكاتب، أكثر من إجحاف العالم الرقمي بحقّه. حسن بلاسم، الواصل أقصى الشمال بسكناه فينلندا، ما زال وجهه متجذرًا في لهيب العراق. يبدو وجهه خليطًا من هنا وهناك، بسماره المغلّف بقبّعة أوروبيّة. شكله يحيل إلى قصصه؛ مهاجرٌ معلقٌ بين هُويّتين.

           رغبتي الأولى في ترجمة المقابلة معه، تعود إلى الشكل الثوري الذي يحمله أولًا، وإلى قلّة معرفة القارئ العربي بهِ ثانيًا. تجربة بلاسم في كتابة القصّة فريدة، لأنّها جاءتنا من الخارج أولًا، بعد أن رفضت ستة دور نشرٍ عربيّة نشر مجموعته القصصيّة الأولى "مجنون ساحة الحريّة" (بعضها كبير مثل الجمل، الساقي، الشروق)، وما تلا نشرها من حظر في بعض البلدان منها الأردن، ليلجأ أخيرًا إلى النشر الإلكتروني، كرد فعل دائم على ما جرى له (نشر مجموعته الثانية "المسيح العراقي" إلكترونيًا أيضًا). وثانيًا، لأسلوبه الأدبي، فهو يعي أنّ حَمل ويلات بلدٍ ما، أيّ بلد، على كتفي الكاتب قد يعني الانزلاق إلى حيّز ضيق، في ثنائية بسيطة من الضحيّة والمُتعاطِف. لكنّ قصصه، في التقاطاتٍ ذكيّة على مستوى الحكاية نفسها أو على مستوى اللغة، تتجاوز كلّ هذا إلى فرادة في الشّكل، لا تخرج إلّا من صاحبها.

           هذا نصّ الحوار منقولًا عن صحيفة الإندبندنت الإنجليزيّة (23 مايو 2014)، أجري معه إثر فوز مجموعته "المسيح العراقي" بالجائزة المذكورة سلفًا.

***

تاسيا دوركوفيكيس: كلا مجموعتيك "مجنون ساحة الحرّيّة" و"المسيح العراقي" هي مجموعات قصصيّة. ما الذي يعجبك بهذا الشّكل؟ وكيف يتلاءم الشكل مع ما تودّ قوله حين تكتب؟
·         حسن بلاسم: بقدر اهتمامي بالمسألة فلا شيء مميّز بذاته في شكل القصّة القصيرة، لا يتعدّى اهتمامي بالقصّة القصيرة اهتمامي بأشكال الكتابة الأخرى، فأنا أكتب الشعر والمقال، أكتب الأفلام القصيرة حتّى أنني حاولت كتابة بعض المسرحيّات. كلّ هذه الأشكال لائقة وتثير اهتمامي، وكلّ واحدة منها له تحدّياته الخاصّة. بإمكانها كلّها أن تكون عرباتٍ لنقل المشاعر بطرق حسنة أو سيئة. بعد تينك المجموعتين بدأت التفكير بجدّيّة حول قضاء بعد الوقت في كتابة السيناريوهات ]للسينما[.

تاسيا دوركوفيكيس: هل نُشرت قصصك في العراق، وكيف كانت ردود الأفعال حيالها؟

·         حسن بلاسم:  مجموعتي "مجنون ساحة الحرّيّة" طبعت ونُشرت في لبنان بعد أن قامت الرقابة باقتطاع جزءٍ كبيرٍ من النّصّ. وعلى الرّغم من ذلك، حُظر الكتاب في الأردن، وكلّما شارك ناشري في معرض للكتاب في بلدٍ عربيّ، كان الكتاب يُحرم من العرض. نشرتُ معظم قصصي وقصائدي على الإنترنت وبدأت التفكير مؤخرًا بنشر كلّ ما أكتب على الإنترنت حتّى أتجاوز مسألة الرقابة. كان هناك استقبال إيجابي ومحفّز بين جيل الشباب العراقي وفي أنحاء الوطن العربي لكتابتي. وعلى النقيض، كان هناك انتقادات متنوّعة لما أسموه "لغة وسخة تسخر من الأديان والطوائف" في قصصي.




تاسيا دوركوفيكيس: قصصك تخلط الواقعية (realism) مع الواقعيّة المكثّفة (hyperrealism)، ولها آثار الهلوسة تقريبًا. هل تعتقد أنّ الواقع المعاش في العراق لا يمكن وصفه بطرق أخرى؟

·         حسن بلاسم:  صدقًا لا أعلم الشكل أو الأسلوب الأمثل للكتابة عمّا حصل ويحصل في العراق. بشكلٍ عام لستُ مأخوذًا بما يكتبه عديد من الكتّاب العراقيّين حول المسألة؛ لغة شعريّة ومتفجّعة حول تراجيديا الدّم! العنف هو في اللحظة ذاتها أمر كابوسي، مرعب، غير حقيقي. في العراق مورس العنف لما يزيد على الخمسين عامًا الماضية بكثافة ووحشيّة؛ لقد كانت سلسلة من الألم والكوابيس فجّة الغرابة.

تاسيا دوركوفيكيس: غيّرت الحرب بشكلٍ واضح المجتمع العراقي بأسره. تصرّفات النّاس في قصصك غير منطقية كما أنّها غير عقلانيّة. كيف تساعد الكتابة على فهم أحداثِ الماضي؟

·         حسن بلاسم:  ليس من السّهل انتزاع الأمل من الإنسان. المجتمع العراقي بحاجة لمزيد من الوقت، لكن قبل ذلك على الظروف السياسيّة أن تستقرّ، ما يعني أيضًا أنّ على الرأسماليّة الغربيّة ودول الجوار أن توقف معاركها الدائرة داخل البلد.
تاسيا دوركوفيكيس: قصّة "أغنية الماعز" تعطي شخصيّاتها الفرصة ليرووا قصصهم الشخصيّة. هل تعتقد أنّ عمليّة الرَّوي تساعد النّاس على الشّفاء؟

·         حسن بلاسم:  ربّما يساعد الحكي النّاس. ما يترك أثرًا بالغًا فيّ حين يروي النّاس قصصهم هي التعليقات الساخرة التي يبدونها على تلك القصص، مهما كانت مؤلمة أو مرعبة. في العراق نقول أنّ بحوزة كلّ عراقيّ خمس قصص مرعبة جيّدة على أقل تقدير، كما أنّ هناك ما يقارب الثلاثين مليونًا يعيشون داخل العراق. من هنا انبثقت فكرة "أغنية الماعز" لأوّل مرّة.




تاسيا دوركوفيكيس: قصصك تدور حول فعل القصّ ذاته. برأيك ما هو دور الكاتب في زمن الحرب؟

·         حسن بلاسم:  أعتقد أنّ دور الكاتب اليوم، سواءً كنّا في زمن حربٍ أم سلام، هو أن لا يدع كلّ ما يدور حولنا يصير رخيصًا وهدفًا سهلًا لوسائل الإعلام، للسياسيين أو حتّى لنسياننا الشّخصيّ ]لما يدور حولنا[.
     الكتابة بالنّسبة لي قطعة مهمّة من شظايا مرآة جلال الدّين الرومي، عندما يقول، بزيادة أو نقصان، أنّ "الحقيقة مثل مرآة وقعت من السّماء وتشظّت إلى كِسَرٍ صغيرة. كلّ فردٍ قادرٌ أن يحمل قطعة من هذه الحقيقة."(1) أظنّ ان شظية "المخيّلة"، على سبيل المثال، تساهم بشكلٍ ما في فهمنا للماضي.
           
تاسيا دوركوفيكيس: كيف تؤثّر صناعتك للأفلام على كتابتك؟

·         حسن بلاسم:  بدأت الكتابة في سنٍ مبكرة. حين تعيّن عليّ الذهاب للجامعة، سألتُ صديقًا يكتب الشّعر، أحترم آراءه بشدّة، "أيّ تخصّصٍ جامعيٍّ سيجعل منّي كاتبًا أفضل؟"، أجاب صديقي، "لا تدرس العربيّة أو الأدب العربيّ. اذهب وادرس صناعة الأفلام." كانت نصيحة هائلة. في الكثير من الأحيان أشعر كأنّ كلّ القصص التي أكتبها ليست إلا سيناريوهات مؤجلة. على الرّغم من ذلك لم أعمل حتّى الآن بشكلٍ احترافيّ في حقل الأفلام بسبب قلقلي وعصبيّتي تجاه العمل في مجموعات. مع ذلك، ما زال للأفلام سطوتها على ما أكتب.

تاسيا دوركوفيكيس: من يُعجبك من الكتّاب الآخرين؟ كيف تفكّر حيال كتب الحرب الأخرى؟

·         حسن بلاسم:  أقرأ أيًا ما يقع تحت يديّ، لكنّ القراءة ليست مصدر إلهامي الأول. في الواقع، ذلك يأتي من مشاهدة الأفلام. مع ذلك، مؤخرا كنتُ منغمسًا في أعمال هاروكي موراكامي، على سبيل المثال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): ترجمتُ الجملة كما وردت على لسان حسن بلاسم. الجملة الأصل، كما وردت عن جلال الدّين الرّومي، كما التّالي: "الحقيقة كانت مرآةً بيد الله وقعت وتشظّت، كل فرد أخذ قطعةً منها، نظر إليها وخال أنّه يملكها كاملة".



الاثنين، 26 أكتوبر 2015

رحلة القبض على المعنى؛ من الشاقّ إلى الأشقّ


Ryan Chang - Melancholia

           لم أختبر مرّة رغبةً شديدة بالكتابة عن شيء أكثر من مرّة. لياقة دماغي لا تسمح لي بطرحِ الكثير من الأسئلة. عدا عن ذلك، فعيناي لا تريان ما خلف الجدران. قرأتُ مرّة كلامًا لإحدى محكّمات جائزة المان بوكر الإنجليزيّة، تقول فيه: "وقد تناقشنا خلال لقاءاتنا في حقيقة أن مسألة التحكيم هذه تطلب من الكتب شيئًا هي غير مصممة لتلبيته: وهو أن تُقرأ ثلاث مرات متتالية"(1). صدمتُ حين قرأت الكلام؛ كيف يمكن لعملٍ ما أن يعاد قراءته ثلاث مرّات في فترة قياسيّة ولا يفقد توهّجه؟. يبدو الأمر، إن أمعنّا النظر أبعد من مجرّد ثلاث قراءات. فالقراءة في تأويلٍ مغايرٍ قد تعني مدى تركيب العمل، وقدرته على توليد المعنى من الهامش، والهامش من المعنى. فالعمل الذي يقول كلّ ما عنده دفعةً واحدة سيزول تأثيره بسرعة بوحه بما لديه.


***

           كنتُ أشاهدُ فيلم Melancholia، ومع كلّ لحظة يتقدّم فيها الشريطُ خطوة، تخترق ذاكرتي صورٌ مشتّتة من فيلم الجمال العظيم (La Grande Bellezza)؛ سبق وكتبتُ عن الفيلم مرّة ونشرتُ ما كتبت، من ثمّ عدتُ وشاهدت الفيلم مجددًا لتصيبني حكّة غريبة تدفعني لاستنزاف روحي في الكتابة عنه. كنت سأفرد مقالًا حول ترجمة العنوان وحده، من ثمّ مقالٌ آخر حول معنى الجمال في نظر سورنتينو (ونظري أيضًا؟)... إلى آخره. لكنّ الشعور بعبثيّة الفعل أودى بمخططّي إلى النّسيان (ما زال ظهري يحكّني كلّما فكّرت في تلك الوقعة).الآن، وأنا أطالع Melancholia، الفيلم الذي يحفر عميقًا في محاولة القبض على معنى الكآبة، أشعر بالعزاء بدلًا من سورنتينو، وبأنّ يدًا تربّت على كتفي وتقول: لا بأس، ما زال هناك من يحاول أن يفهم كيف أخرج الساحر الأرنب من فم القبّعة. لذا قرّرت أخيرًا قطف رغبتي، والكتابة مجددًا.
 
           الموسيقى؛ الأوبرا؛ الملابس الأنيقة؛ الجنس؛ زهو الألوان؛ نهر التيبر؛ روما.. كلّ هذا جميل، لكن كيف، وفي أيّ نقطة يمكننا أن ندرك ذلك؟ في المقابل: محاولات القولبة؛ الطقوس الاجتماعيّة؛ مؤسّسة الأسرة؛ عدم فهم العالم لما يجري في رؤوسنا؛ وقع انتهاء العالم.. كلّ هذا كئيب وسوداوي. لكن ما هي الكآبة تحديدًا؟ هل هي وجهٌ جامدٌ في وجه العاصفة؟ "صراخٌ في ليلٍ طويل"؟(2) أم ماذا؟. لا مراء بأنّ السّؤالين كبيران، وأنّ مجرّد التفكير في القبض على شيء أشبه بالهواء، أقلّ ردّ فعلٍ عليه أن يوضع بين قوسين، لكن "قد بدا لي أنّه مع أنّنا لا نجد إجاباتٍ لتلك الأسئلة الأساسيّة إلّا أنّ من الأفضل لنا أن نسألها على أيّة حال...". (3)

           تختلف المعالجة، فلكلٍ طريقٌ يمّم وجهه شطره. في "الجمال العظيم"، في بحثه الدؤوب (المتنكَّر له) عن الجمال، يأخذ جيب غامبرديلّا الطريق الأطول، حياة اللّهو لا الجدّ. في ظنّي أنّ العنوان يقول الكثير، بين ترجمته إلى "الجمال العظيم" و"الجمال الباهر" أميل إلى الثانية أكثر. ففعل الانبهار يحيل إلى فركٍ للأعين إزاء ضوءٍ مباغتٍ وقويٍّ. وكذا الأمر أثناء مواجهتنا للجمال (أكبر مخاوفنا؟)، فإمّا أن نواجهه معرّضين أنفسنا للعمى، للاندثار (مات السّائح الياباني وهو ينظر إلى روما تتزيّا بأبهى حللها)، أو ربّما الخلود. في المقابل يمكن أن نلتفّ حوله، ظانّين أنّنا نقبض على شيء ما "أردتُ أن أكون القوّة التي تجعل منها إخفاقًا ]يقصد حياة الليل والتّرف["(4). الصّباح بما يحيلُ إليه من وضوحٍ في الرؤية، والطريق معلوم المسالك "كائن غير معروفٍ بالنسبة لي"(4) يقول جيب. ينتهي الفيلم ويظلّ الكادر ملتقطًا صورة نهر التّيبر يجري بلا توقّف، قد يكون متجهمًا لكنّه شقّ لنفسه طريقًا تلحظه أعين الآخرين. إنّها رحلة طويلة، سواء كانت رحلة جيب أم رحلة باولو سورنتينو ذاته التي أوصلته ليقدّم لنا هذا العمل. رحلة من البحث عن لا شيء و/أو كلّ شيء.

***

           لارس فون تيرير بدوره، ينطلق من تجربة ذاتيّة في محاربة الكآبة، معولمًا إيّاها إن جاز التعبير، لتصير حدثًا جللًا يهدّد الكرة الأرضيّة. في غمرة احتفال "جوستين" بزفافها، تلحظ اختفاء النجم الأحمر أنتاريس من مجموعة العقرب، يبان في الشّقّ الثاني من الفيلم أنّ سبب اختفائه هو ظهور كوكبٍ كبير يدعى "ميلانخوليا" كان مختبئًا وراء الشّمس ويهدّد الآن بالاصطدام بالأرض.

           بداية وقبل أن نغوص في الوحل، لماذا ميلانخوليا (Melancholia) لا كآبة (Depression)؟ يقول القاموس بأنّ الميلانخوليا هي الأسى، أو الانغماس (ومرادفاتها) في الكآبة. فون تيرير يحاول أن يصل إلى تلك النقطة السوداء في أرواحنا التي تفرش ظلالها كملاكٍ مطرود على كلّ ما حولها. من المعاني التي يمكن أن نضطلع عليها للميلانخوليا أيضًا (saturnine) أي زحليّ (نسبة إلى كوكب زحل) الّتي تحمل معنى "كئيب المزاج" أيضًا. لا يبدو إذن اعتباطيًا قرار "تشييء" الميلانخوليا (إن جاز التعبير) على شكل كوكبٍ عملاق.(5)

           في الأسطورة اليونانيّة، يهمّ أوريون رفقة صاحبتيه أرتيمس وليتو بغزو كريت، مهدّدًا بقتل كلّ وحشٍ هناك على الأرض، لكنّ الأرض ترسل له عقربًا ضخمًا يرديه صريعًا. وعلى أعقاب ذلك، يقرّر زيوس أن يجعل قلّة رجولته تلك عبرة لمن بعده، فيضعه والعقرب معه بين النجوم. كوكب "ميلانخوليا" يبدو هنا كما لو أنّه أوريون قد جاء لينتقم من "وحوش الأرض" الّتي سبّبت هلاكه.(6)

           ليس لارس فون تيرير أوّل من يطرح شكلًا لنهاية العالم، لكنّه يبدو أوّل من تخيّل أنّ فناءنا سيكون على شكلِ كآبة هائلة بحجم كوكبٍ ستلتهمنا. ليس هذا وحسب، إنّ بعض شخصيّاته تفزع أمام الكارثة، لكنّ هذا الفزع لن يغيّر من إمكانيّة تحقّقها، وإن كان بوسعنا فعلُ شيءٍ ما هو أن نتقبّل اللامعنى هذا كواقعٍ سيرتطمُ بنا لا محالة!، بل ربّما كخلاصٍ من هذه "الأرض الشّريرة" كما أسمتها جوستين. 

" - كل ما أعرفه أنّ العيش على الأرض هو شرّ.

- قد يكون ثمّة حياة في مكانٍ آخر.

- في الحقيقة لا يوجد شيء كهذا.

- وكيف تعرفين ذلك؟

- لأنني أعرف بعض الأشياء.

- آه، لطالما اعتقدتِ بأنك تعرفين.

- أعرف بأننا وحيدون.

- لا أعتقد أنّك تعرفين شيئًا عن هذا على الإطلاق."(7)

***

يقول كونديرا في كتابه فنّ الرّواية: "إنّ الرّواية الّتي لا تكتشف جزءًا من الوجود ما يزال مجهولًا هي رواية لا أخلاقيّة. إنّ المعرفة هي أخلاقيّة الرواية الوحيدة."(8) لا أملك جسارة كونديرا لأقول إنّ "المعرفة هي أخلاقيّة السينما الوحيدة". لكنّني أملك أن أقول أنّ مخرجين كهؤلاء، في محاولاتهم للقبض على معنًى أكثر سيولةً من أن يمسك، يعيدون صوغ مفاهيمنا حول العالم، وإن كان طريقهم يمضي دومًا من الشّاقّ إلى الأشقّ.

Ryan Chang - Melancholia


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


(2): عنوان رواية لجبرا إبراهيم جبرا.

(3): اسطنبول – أورهان باموق – الانتشار العربي - ص475.

(4): من الفيلم (La Grande Bellezza - 2013).



(7): من الفيلم (Melancholia – 2011).

(8): فنّ الرّواية – ميلان كونديرا – دار الأهالي – ص13.












السبت، 18 يوليو 2015

الحبّ، قدرٌ يتربّص خلف الباب

          يطرح المخرج التركي زكي ديميركوبوز بفيلمه "قدر / Kader" (2006) سؤال الحب مجددًا، فاتحًا به دفاتر قديمة قدم التاريخ عينه. قد يكون الفارق بين إبداع شيء جديد والاجترار، هو زاوية نظر. بورخيس كان يعتقد أن ليس ثمّة سوى اثنتي عشرة استعارة في هذا العالم (تشبيه الزمن بالنهر الجاري إحدى هذه الاستعارات)(1)، لكنّنا ما نفتأ نقرأ استعاراتٍ أخرى للزمن (ودخلنا في سباقٍ غير متكافئ مع الزمن الذي يقود مركبته الفضائية بأقصى سرعة. وصرنا نستمهله: أيها الزمن انتظرنا! فلنا موعد بعد شهر، فلا تسرع) (2) على سبيل المثال. قد لا يعني هذا أن بورخيس على خطأ بقدرِ ما يعني أنّ الحياة ليست ذاتها في كلّ المناظير.

          ما الحب، أو ما الذي يعنيه أن نقع في الحب هذه الأيام؟ تسوّق القنوات الإعلامية التلفزيونية منها والإلكترونيّة لمفهومٍ استهلاكيّ للحب. تنطبع صورة ما في المخيال الجمعي للفتاة المرغوبة، فهي حتمًا طويلة، شقراء، ممشوقة القوام. أو بالمقابل،  فإنّ الشّاب منفوخ العضلات، أسنانه بيضاء، قد يملك لحية أو لا (هذه تفصيلة مختلف عليها). لكنّ الحياة في مكانٍ آخر غير الذي نراه في التلفزيون أو على الإنترنت، ولا تملك صكوكًا تبيعها للغافلين منّا. لذا فإنّ للحبّ مقاييس أكثر غرابة من أن يتمّ قياسها سلفًا، فهو ينزل كالقدر بلا مفرٍ منه، كما يقترح زكي ديموركوبوز.

          "بيكير" شاب وحيدٌ لأهله، يعمل في محلّ أبيه لبيع السّجّاد. في ظهيرة يومٍ ما، يغطّ نائمًا في المحلّ، ليستيقظ على وقع حركة زبونة "أور" تتفتّل في المحلّ. يقترح ماريو فارغاس يوسّا شكل الشاب الذي يقع في الحبّ مثل عجل، كأشد الطرق رومانسية للوقوع في الحبّ. "بيكير" وقع تمامًا كعجلٍ في حبّها، ومن النظرة الأولى. هل لنا أن نعدّها مصادفة أن لا تبادله "أور" الحب، أو أن تحبّ شخصًا آخر عليه؟ هل يعدّ كون الشاب الذي تحبّه مجرمًا (أقلّ أخلاقية من بيكير) تفصيلة شاذة؟ 

          يشيع بين الناس المثل القائل "القط بحب خناقه". بعيدًا عن المعنى العامّ والواضح للمثل، قد نستطيع استنطاقه لنقول أنّ العاشق قد يزداد ارتباطه - بلا تفسيرٍ منطقيّ - بمن يعتقد بصعوبة إقامة علاقة حبٍ حقيقيّة معه. "كا" في رواية أورهان باموق "ثلج" أحبّ "إبيك" وهو يعلم كمّ الحزن الذي يمليه عليه هذا الحبّ. "تيريزا" في "كائن لا تحتمل خفته" أصرّت على حبّ "توماس" رغم خياناته التي لا تحصى. لكن ورغم كون "الحبُّ خطوات حزينة في القلب"(3) إلّا أنّه يظلّ "موتكَ المشتهى" (4). فكما لم تصب رصاصتان مقتلًا من "بيكير"، فقد رضي لنفسه أن ينتحر على بابِ "أور".

          لا شكّ أنّ هذا العالم شهد قصصًا لا تحصى من الحبّ، ما الذي قد يجعله يلتفت لقصّة "بيكير" و "أور"؟ لعلّ السّمة الأبرز في هذه العلاقة هو ثقل دم الأبطال، المقصود. يعجّ تاريخ الأدب والسينما بعشّاق يسهل التورّط بحبّهم والوقوف في صفّهم. لكنّ الأمر ليس على ذات الشاكلة، حين نتابع عاشقًا حاله كحال من "يقولُ لِيَ الواشونَ ليلَى قَصِــــيرةٌ ... فليتَ ذِراعًا عرضُ ليلى وطولها"، إذ لا مفرّ من القربِ من محبوبته إلّا القرب.

          حين ملّت "أور" من "بيكير" وملاحقته إيّاها، سألته:

"-          ماذا تريد؟ إلى أين سيأخذنا هذا؟
-          إلى أي شيء
-          ماذا تعني بأي شيء؟
-          لا أستطيع فعلها بدونك."

          صحيحٌ أنه "إذا كان الحبّ حبًا.. فإن الزمن كلمة حمقاء"(5) لكن لا مندوحة لنا عن الاستعانة بالزمن كاختبارٍ لصدقِ الحبّ. فبه وحده يسقط من يسقط، ويقف من يقف في وجه الرّيح. بينيامين إسبوزيتو (بطل فيلم The Secret in Their Eyes) ما كان له أن يؤمن بمشاعره، حين نظر في عينيّ إيرين أخيرًا، دون أن يزيح عشرين عامًا من عمره عن كاهليه، دفعها ثمنًا لتردّده. وكذا "بيكير" إذ نعلم حقيقة أنّه أحبّ "أور"، لكنّ حبّه هذا ما كان ليصير كبيرًا لولا أنّ الزّمان استحال عنده إلى شيء مبهم، لا يمكن الإمساك به، كـ"أي شيء".

          يورّطنا زكي ديموركوبوز في محكّ أخلاقيّ في فيلمه هذا؛ "بيكير" يهجر عائلته ملاحقًا أملًا كاذبًا بالحبّ. لكنّه، في الوقت ذاته يعنون فيلمه بالقدر، كأنّما يجنّب "بيكير" مسؤولية أفعاله. قد يكون الحبّ خطيئة، كما يمكن لعائلة "بيكير" أن تسمّي ما فعله ابنها بهم، لكنّه ربما الخطيئة التي يتساوى عندها جميع العشّاق والعاشقات، السيّء منهم قبل الجيّد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): بورخيس – صنعة الشّعر.
(2): محمود درويش – في حضرة الغياب.
(3): محمد الماغوط –  سرير تحت المطر.
(4): محمود درويش – درس من كاما سوطرا.
(5): من رسائل فروغ فرخ زاد.