‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتب. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 14 أبريل 2016

"الإحساس بالنّهاية"؛ أن تقول كلّ شيءٍ دفعةً واحدة



        هل يمكن أن يوجد مبنًى بلا نوافذ ولا أبواب، ونراه جميلًا؟ أفكّر في سؤالي حالما أنهي رواية الكاتب الإنجليزي جوليان بارنز (70 عامًا) "الإحساس بالنّهاية". كلّ ما يمكن أن يقال، قيل داخل الرّواية. لذا لا أجد أنسب من القول "اذهبوا واقرأوا الرّواية، لا شيء لدي أخبركم إياه"*.

        تحكي الرّواية قصّة "توني وبستر"، عجوز ستّيني، يعمل مسؤولًا عن مكتبة مستشفًى قريبٍ منه، مطلّق، يميل إلى المسالمة وتجنّب المشاكلِ في حياته. تصله، بعد أربعين عامًا من انتهاء العلاقة، تركة من والدة حبيبته أيّام الدراسة، قوامها 500 جنيه استرليني، ووثيقتان تفتحان بابًا واسعًا على الماضي، إحداهما يوميّات تخصّ صديق "وبستر" أدريان الذي أقدم على الانتحار منذ زمنٍ بعيد.

        يحاول بارنز في هذه الرّواية الصغيرة (181 صفحة)، أن يقدّم إجابته عن سؤال: ما التاريخ؟. لكنّه، ومنذ الصفحة الأولى لا يواري الخطيئة الأولى في فهمنا له "ما تتذكّره في النهاية ليس هو نفسه ما شهدته"*، ولا يكتفي بهذا، بل يظلّ، بشكلٍ مطّردٍ، يوحي بوهنِ ذاكرة البطل، مشككًا في كل ما قيل على لسانه، ففي النّاهية ليس ثمّة إلّا "عدم استقرارٍ عظيم"*.

        أثناء قراءتي للرّواية، كنتُ أفكّر بدايةً، بما أسماه أورهان باموق محور الرّواية. الأمر الذي نظلّ نفكّر فيه، ونحاول القبض عليه لنعلن فرحين، كمن يكتشفُ جزيرةً، أنّنا فهمنا ما أراد الكاتب قوله. يعتقد باموق أنّ الرّوايات الجيّدة، ما ينفكّ محورها يتغيّر حدّ صعوبة إمساكه أخيرًا. في "الإحساس بالنّهاية"، المقسّمة على جزئين، يقول جوليان بارنز في الصفحة الأولى "لست مهتمًا بالأيّام التي قضيتها في المدرسة ولا أشعر بالحنين إليها. لكن المدرسة هي المكان الذي بدأ فيه كل شيء، ولهذا عليّ أن أعود بعجالة إلى بعض الأحداث التي صارت حكاياتٍ"*. شيئًا فشيء، تتساءل إن كنتَ قد خُدعت، وما كان ينبغي أن ينتهي بسرعة لتبدأ بعده الحكاية الحقيقيّة، طال إلى ما يقتربُ من نصفِ الرّواية. إذن، أين الرّواية سيّد بارنز؟.

        يشرح جوليان بارنز في هذا النّصف الأوّل، كيف تعرّف على "فيرونيكا"، من صارت حبيبته الأولى أيّام الدّراسة. ويذكرُ زيارته لبيتها في أحد نهايات الأسابيع، وتعريفه إيّاها على أصدقائه الثلاث: ألكس، كولن، وأدريان. لعلّ الرّواية قصيرة كما هي، إلا أنّ قارئًا لو أراد، قد يلخّص أحداث الرّواية في صفحة، لماذا إذن امتدّت كلّ هذا؟ يبدو جوليان بارنز مفتونًا بالتنظير؛ التنظير بمفهومه الفلسفي القائم على التجريد "الأدب الحقيقيّ يدور حول الحقيقة النفسيّة والعاطفيّة والاجتماعيّة كما تجسّدها أفعال وتأملات أبطالها، فالرواية تدور حول شخصيّة تتطور مع الزمن"*، ما يعني أنّ تطوّر الشّخصيّة، الدّاخلي قبل الخارجيّ، هو جزءٌ لا يمكن فصله عن الأحداث الواقعة خارج الشخصيّات.

        لا يعني التاريخ شيئًا بلا سؤال. جميعنا نأكل، نشرب، ننام. لكن هل هذا ما نسمّيه تاريخًا؟ هناك شيءٌ ما ينبغي أن يتحطّم كي تصبح الرّحلة أقلّ وضوحًا كما يقول الكاتب. فالانتقال الراديكالي بالزّمن من نهاية المدرسة وحتّى بلوغ الستينات من العمر، بما فيه من خطورة تنطوي على القفز عن مساحة كبيرة من الزمن والأحداث، كان لا بدّ له أن يتوقّف. لذا، في الجزء الثّاني، يسعى "توني وبستر" ليعرف سرّ التّركة؛ لماذا هو؟ لماذا الآن؟ ولماذا، على طريقة سيبويه، ما زال في نفسه شيء من فيرونيكا.


من الفيلم المزمع إصداره هذا العام عن الرّواية (تشارلوت رامبلينغ بدور فيرونيكا،
جيم برودبنت بدور توني ويبستر)

        ما زال سؤال، ما التّاريخ غير مجابًا إلى الآن. أليس كذلك؟ حين سأل أولد جو هانت، معلّم التاريخ، توني وبستر هذا السؤال في صغره، أجاب: "إن التاريخ ليس إلّا أكاذيب المنتصرين"*. لكنّها إجابة سهلة، غير مخلصة للحقيقة، فحسابات النصر والخسارة ضبابيّة، غير واضحة المعالم في هذه الحياة. تماشيًا مع هذا الفهم، نبش وبستر ماضيه، كما يذكره، حدثًا حدثًا، شخصًا شخصًا. لذا كان محتّمًا عليه محاولة لقاء "فيرونيكا"، التي لم تنفكّ عن تذكيره أنّه لم ولن يفهم شيئًا، ولم ترضَ أن تتحدّث معه عن الماضي بالكثير، ما زاد من عبء السؤال عليه.

        أصرّ جوليان بارنز، إلى حدٍ بعيد، أن لا يشارك أحدٌ السرد مع توني وبستر. تقنيًا، هذا أحد أوجه تيّار الوعي، فنحن لا نسمع سوى البطل وأفكاره، وأيّ تدخلٍ آخر يتمّ عبرهما. لكن، نظريًا، يأتي هذا الإصرار كمحاولة للقول، بأنّ الرّواية هي جزء وبستر من الحكاية، لا الآخرين. جزؤه الذي أملته عليه ذاكرته بما فيها من ثقوبٍ يتسرّب الماضي منها.

        يتحدّث عبدالوهّاب المسيري في سيرته "رحلتي الفكريّة" عن ما أسماه الذئب الهيجلي المعلوماتي "وهو ذئب خاص جدًا، جواني لأقصى درجة، يعبِر عن نفسه في الرغبة العارمة في أن أكتب كتابًا نظريًا، إطاره النظري واسع وشامل للغاية ولكنه في الوقت نفسه يتعامل مع أكبر قدر ممكن من المعلومات والتفاصيل، إن لم يكن كلها..."(1). جوليان بارنز هنا حاول كتابة شيء مشابه، يجملُ كثيرًا من التصنيفات في عملٍ واحد (وصغير!). مثلًا، يمكن القول أنّ الرّواية تتماشى مع الأدب الكلاسيكي (كما وصفتها ستيلا ريمينغتون رئيسة لجنة تحكيم جائزة المان بوكر 2011)، كما أنّها رواية حداثيّة في الوقت عينه بانتهاجها  تيّار الوعي كأسلوبٍ في الكتابة. كما أنّ جوليان بارنز لم يترك النّهاية مفتوحةً، التي قد تبدو أكثر انسجامًا مع مفهوم التاريخ الّذي دأب على تأكيده في الرّواية: تركُ مساحات فارغة أكثر من تلك الملأى.

        لا شيء محتّم في الكتابة (كما أيّ شيء آخر في الحياة؟). لذا هل نعدّ رهان الكاتب على قول الكثير في عملٍ واحد ناجحًا، حين نعلم أنّه جلب له جائزة المان بوكر عام 2011؟.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*): كلّ الاقتباسات المنتهية بإشارة النجمة مأخوذة من الرّواية.

(1): رحلتي الفكريّة؛ في البذور والجذور والثّمر – عبدالوهّاب المسيري – ص: 166 – 176.



الجمعة، 11 يوليو 2014

بيرة في نادي البلياردو: حين يتحوّل الموت إلى مجاز، والرواية إلى حقيقة



(وجيه غالي)

          في مصر الستينات، قد لا يكون أحدٌ من المهتمين بالأدب خاصّة في مصر، قد سمع بوجيه غالي. بالطبع هناك العديد من الأسباب التي قد تقال في هذا الموضع؛ منها عدم كتابته أكثر من رواية واحدة في حياته؛ "بيرة في نادي البلياردو" (دار الشروق / ترجمة إيمان مرسال وريم الريّس)، عدا عن أنّها مكتوبة بالإنجليزية. ثمّة فضول لذيذ يلحق بكتّاب الرّواية الواحدة، فعلى غرار ج. د. سالينجر صاحب "الحارس في حقل الشّوفان"، ها هو وجيه غالي يكرّر الفعلة ذاتها، لكنّه، وكإضفاء لمزيد من الدراما، أنهى حياته منتحرًا، تاركًا وراءه رسالة تقول: "أظن أن الانتحار هو الشيء الأصيل الوحيد الذي فعلته في حياتي". قد يصحّ أن نسأل، إذا كان ما قاله صحيحًا، هل تندرج روايته هذه ضمن قائمة الأشياء الكثيرة غير الأصيلة في حياته؟ وقبل أن نجيب، يجب أن نضع في الحسبان حالته النفسية التي دفعته ليقول ذلك.

          يصعب وضع هذه الرّواية ضمن إطار واحد، فمستويات العمل متداخلة إلى حد بعيد. قد يصحّ أن ندرجها ضمن الأدب الذي استشرف علاقة الشرق بالغرب كموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح وما يتبع العلاقة من صراع في الهويّة. وفي مستوى آخر، يصحّ القول أنّها تأريخ لحياة الطبقة الأرستقراطية قبل وبعد ثورة  1952 في مصر. وفي مستوًى آخر (وهو المستوى الأهم ربّما) هي قصّة حبّ بين "رام" القبطي و"إدنا" اليهوديّة. تتداخل المستويات ويطغى بعضها على بعضٍ أحيانًا، إلّا أن شيئًا ما يصرّ على ألّا تأخذ الرواية اتجاهًا ما، يحصرها في زاوية ضيّقة، لتظلّ مشرعة على كلّ التأويلات المحتملة.

          يمكن القول إنّ هذه الرّواية صرخة طويلة، صرخة في وجه الإنجليز والأمريكان ونظامهما الرأسمالي الأشبه بشاحنة كبيرة بلا سائق. لكنّها صرخة لا تخلو من السّخرية. "مصطفى سعيد" في موسم الهجرة إلى الشمال، استطاع بذكائه أن يكتشف نقطة ضعف الآخر؛ ميله إلى ذلك الشرق الساحر، أو ما أسماه الطيب صالح بالجنوب. لكن هنا، فإنّ رام، وصديقه فونت لا يملكان سوى الكثير من الكتب التي قرآها دون بالغ اهتمام. وثقافة إنجليزيّة تلقياها في المدرسة، زادت من حيرتهم لدى اتخاذ أي موقف "كان قد غرس فينا توقع "العدل" من الإنجليز. هذا الغباء في توقع "العدل" من الإنجليز، بجانب سلوكهم البعيد عن "العدل" كان ظاهرة غريبة لدينا". هذا الميل للثقافة الإنجليزيّة ما كان يمكن أن يُبتّ في أمره دون حادثة كبيرة "بالرغم من كل الكتب التي قرأناها عن مكر وقسوة سياسة إنجلترا الخارجية، كانت حرب السويس هي ما جعلنا بالفعل نصدّق ذلك".

          في جلسةٍ عائليّة أقيمت على شرف عودة "منير" ابن خالة "رام" من أمريكا تحصل مشادّة كلاميّة بينهما على إثر تبجّح "منير" بالثقافة الأمريكيّة "الديمقراطيّة الأمريكيّة هي النموذج. يا سلام، يجب أن تروا هذا البلد". لا يعجب هذا الكلام "رام"، إذ كيف يمكن ذكر الديمقراطية الأمريكية، دون الحديث عن الفقراء البورتوريكيين في أمريكا، أو عن الهنود الحمر منقوصي الحقوق؟ لينتهي الحوار بينهما بشتم رام لمنير ومغادرته المكان. نكتشف مع مرور الأحداث، أنّ كلّ هذا الانفعال لم يكن وراءه لا أمريكا ولا الديمقراطية ولا حتّى منير، بل نيل إعجاب الفتاة غير المعروفة على طاولة الطعام؛ "إدنا" اليهوديّة، التي لا يعرف رام كيف يمكنه أن يوقعها بحبّه، فيستمرّ بادّعاء المعرفة حتّى يقول لها آنفًا "معرفتي جعلتني جديرًا بكِ بعض الشيء". ­

          هذه الرواية مثقلة بمشاعر المسؤولية. المسؤولية تجاه البلد في ظلّ قيام ثورة 1952، من ثمّ في ظل العدوان الثلاثي سنة 1956، والمسؤوليّة أمام الذات بطبيعة الحال. لكن، هناك شعورٌ باليأس والعجز يحوم في الأجواء، ابتداء بعدم تحدّث الشخصيات الرئيسة للغة العربية بشكلٍ جيد. كيف يمكن لرام أن يثبت أنّه ابن البلد، وهو لا يتحدّث لغة أهل البلد "أتعرفين يا إدنا أنتِ لستِ مصريّة، ...أنتِ فقط لستِ مصريّة. وسأقول لكِ لماذا. هل تذكرين عندما قلتِ لي مرةً إنني لستُ مصريًا لأنني أنتمي إلى النخبة، إلخ؟ ولكنّني مصري، ...أنا مصري حقيقيّ. عندي حسّ الفكاهة المصريّة". لكن هل يغيّر هذا من الأمر شيئًا؟ يبدو أنّ رام مدركًا لسخرية الموقف الذي هو فيه، وإلّا لما حاول أن يثبت مصريّته بهذا الشكل الساخر.

          عادة ما يكون استخدام السياسة في العمل الأدبي سلاحًا ذو حدين، قد يودي به ليتحوّل إلى خطاب أيدولوجيّ بائس. فإن كان هذا العمل، قد حمل أصالة حقيقيّة، فإنّه نحا في جزئه الأخير، بصورة فجّة للإدلاء بآراء سياسيّة قد لا تعني شيئًا، ولا تثري النص أيضًا. يقول رام لديدي نخلة، صديقته من أيّام زيارته للندن "تصوري ثلث دخلنا يضخ في جيش لمحاربة مليونين بائسين من اليهود الذين ذبحوا بوحشيّة في الحرب الأخيرة". هل يمكن أن نعدّ ذلك من قبيل التعاطف الإنساني مع شعب لا مأوى له؟ لكن لو كان الأمر كذلك، فلماذا لم يأخذ رام بعين الاعتبار المجازر الواقعة في الـ 1948 وما بعدها من ذات المليونين البائسين من اليهود؟ لا يمكن أن يبرّر هذا القول إلّا عاطفيًا، نظرًا لارتباط الفتاة التي يحبّها (إدنا) عقائديًا بإسرائيل، وبهذا يصبح قوله متّسقًا مع ذاته، ومع اعترافه في موضعٍ ما أنه لم يعد على طبيعته مذ تعرّف عليها، فكلّ ما يقوم به، يفعله ادّعاءً، لكسب إعجابها، لا أكثر.


          انتحر وجيه غالي في شقة الكاتبة الإنجليزية ديانا أثيل سنة 1969، وجدير بالذكر كما ذكرت المترجمة إيمان مرسال على مدونتها الشخصية أنّه خلّف وراءه رواية غير مكتملة بعنوان "Ashl Novel"، ومسودّتين صغيرتين كمذكرات شخصية، ولم تنشر جميعها حتى اللحظة. وما زالت حياته حتّى اللحظة يلفّها الكثير من الغموض، ولا مجال لمعرفة شيء عنها إلا من خلال تأويل هذه الرواية، التي يقال أن شخصيّة "رام"، تتقاطع مع شخصيّة الكاتب إلى حدٍ بعيد. 


(طبعة دار الشروق)


الخميس، 17 أكتوبر 2013

قراءة في رواية "جنوب الحدود، غرب الشمس" لـ "هاروكي موراكامي"

                أكره تشبيه الأدب بالموضة، إلا أنّه أحيانًا يصبح كذلك. كما البيتلز في ستّينات القرن الماضي، ومايكل جاكسون، ومادونا، وغيرهم الكثير كان هاروكي موراكامي يصعد في الفترة الماضية. وساعده على ذلك ترشيحه المتكرّر لجائزة نوبل كلّ عام، حتّى أضحى النّسخة الشّرق آسيويّة من أدونيس.
                لا أستطيع تشبيهه بأيّ شيء آخر، سوى المغنّين. فهو أقرب لكاتب إيقاعيّ، حتّى أنه اعترف بذلك في أحد المقابلات الصحفية "إنّه الإيقاع.. عندما أكتب أفكّر بالإيقاع دائماً، الإيقاع المتحوَّل. أنا لا أعني شيئاً عندما لا أحصل على هذا التحوّل". الموسيقى حاضرة في كل صفحة، ليس فقط موسيقى ليست وفيفالدي وأغاني نات كينغ كول وغيرها، بل حتّى المطر كان إيقاعًا، الثّلج، ضربات القلب، كلّ شيء حتّى الموت كان له إيقاعه الخاص هنا. 

                هناك روايات، يكون السّؤال عن مدى جمالها لئيمًا، ويستفزّني من الدّاخل. اللّعنة، هل كانت جميلة أم لا، إنّه مجرّد سؤال بسيط، لما كلّ هذا العناء للإجابة عنه؟ لكن، يبدو أن الموضوع أصعب من ذلك. من السّهل أن أقول أنّها لم تكن جميلة، بل وباهتة، وفاترة، ومملّة، وتقليديّة، وغيرها من الأوصاف المشابهة. لكنّي لا أستطيع أن أغامر بنقدها، فما منحتني إيّاه من دفء كان يصعب على رواية أخرى أن تمنحني إياه بسهولة. أشعر أنّي أعرف هاجيمي، كما لو كان زميلي في مقعد الدراسة. وأشعر أيضًا أنّي على صلة بشكل أو بآخر بشيماموتو، هي أقرب لصديقة حميمة، تستطيع أن تبوح لها بما يختلج في صدرك من هموم، وأحلام عابرة دون أن تفكّر مرّتين. 

***

"تظاهر بأنّك سعيد عندما تكون حزينًا

عمل ذلك ليس صعبًا"

                الرّواية بأكملها تدور حول هذين المقطعين. دائرة ضخمة لا متناهية، رأسها يتصل بذيلها، سلسلة عبثية كان يدور فيها موراكامي، يحاول أن يقنع نفسه أنّ الحياة جميلة بما يكفي لأن تعاش، هو مقتنع بذلك فيضع لنا هذه الأغنية كخلفيّة دائمة، كأنه يشير إلينا بسبّابته: "أرأيتم، إنّ الحياة سعيدة، أنا متأكّد من ذلك، أنا متأكّد.. ولأثبت لكم ذلك، هاكم، استمعوا لهذا اللحن العظيم" لكن في الواقع، هو يدرك أنّ الجمال، ليس إلّا صوت نات كينغ كول، لا ما يقول. وإلّا لما خلق بطلًا وأسماه هاجيمي - البداية. وإلّا لما أنهى روايته ببداية لحياة جديدة يعتقد فيها هاجيمي أنه سيكون إنسانًا أفضل، وكأنّه أعاده بيديه إلى الدّائرة من جديد، بعد أن بدّد الشّك قواه الذّهنية. 

                لو أنّ الرّواية كانت أكبر حجمًا، لأقسمت أنّ هاجيمي كان سيرتكب الأخطاء ذاتها، ويبدأ بدايات جديدة كلّ مرّة. إلّا أنّ موراكامي خفّف عنّا ذلك العناء بجملته الختامية: "إلى أن أتى شخص ووضع يدًا بخفّة على كتفي، كانت أفكاري تدور حول البحر"، ووضع نقطة أنهى بها دورة لا تنتهي من العبث.


***

                أعتقد أن هذه رواية "بحث عن الهويّة" بامتياز. طفل وحيد ملقى في عالم لا يعترف بالوحيدين. لا بدّ أن يعاني طويلًا حتى يتعرّف على نفسه بين كل تلك الحشود. كانت شيماموتو هي المرآة التي استطاع من خلالها أن ينظر إلى نفسه، فتعلّق بها. وليخلق عقدة/رواية، باعد موراكامي بينهما. أنهك هاجيمي ذلك السؤال: من سيملأ الفراغ الذي خلفته شيماموتو، ذلك الفراغ الذي كاد يبتلعه؟ في الحقيقة، لا أتوقع من فتى في السّادسة عشر أن يجيب عن سؤال كذلك بسهولة، ولأنّ الإنسان لا يتعلّم إلا من تجاربه، واعد الفتاة الخطأ - أزومي، فكانت أوّل إنسان يسبّب له جرحًا غيّر به مجرى حياتها.. إلى الأبد. "قد يتغيّر الناس في عشرين سنة لكنّي عرفتها. الأطفال يخافون منها. قال صديق قديم. عندما سمعت ذلك لم أفهم ما القصد من كلامه. لم أدرك ما ألمحت إليه تلك الكلمات. لكن الآن، وأزومي أمام عينيّ، فهمت".




                ثمّ كانت يوكيكو، خطأه الثاني، لكن هذه المرّة لم يمتلك الخيار في إدخالها حياته، فقد كان ذلك أمرًا لا مفرّ منه. فيوكيكو كانت الجسر الذي عبره حتى يلتقي بشيماموتو مجددًا، وكأنّنا لا نستطيع أن نقوم بنزواتنا بعيدًا عمّن نحب، لا بد لظهر أحدهم أن يُوطأ حتّى ينعم آخرون بلحظات سعادة مسروقة. 

*** 

                أعشق الرّوائيين الأذكياء، أولئك الذين يدسّون كلّ شياطين الأدب في تفاصيلهم، لا أستطيع أن أمر على كلّ ذلك الزّراق الذي يكلّل ملابس شيماموتو دون أن أربطه بموسيقى البلوز أو بأغنية "Pretend" لنات كينغ كول حين يقول "Pretend you're happy when you're blue" (وهي أكثر أغنيّة تكرّرت في الرّواية). أيضًا لا أستطيع أن أمرّ على اسم البطل وأن لا أربطه بالنّهاية، هاجيمي يعني البداية، وكذلك كانت النّهاية، بداية أخرى. عنوان الرّواية بحدّ ذاته، كان تفصيلة عبقرية، توليفة ابتدعها خيال هاروكي موراكامي لا نقاش في جمالها. لن أنسى أيضًا أنه أقحم نفسه في الرّواية، دون أن يحمّل نفسه مشقّة إخبارنا بذلك، موراكامي لديه بار جاز في الواقع، وفتحه بمعونة من حميه. 

                هذا ما أذكره الآن، وأكاد أجزم أن هناك الكثير ليقال في هذا الشّأن. 
***

* ملاحظة: لاحظت تقاربًا كبيرًا بين الرّواية و"شيطنات الطّفلة الخبيثة" لماريو فارغاس يوسّا (تحديدًا، الظّهور والاختفاء المفاجئ لكلّ من شيماموتو والطّفلة الخبيثة)، لا تفسير لديّ. لكن ربّما هذا يدلّل على عالميّة الأدب، والهمّ الإنساني المشترك. 

**  ملاحظة أخرى: ذُكِر في ترجمة صلاح صلاح المتداولة للرواية أنّ أغنية "جنوب الحدود" هي لنات كينغ كول، وعند البحث تبين أنّها ليست له، وأنه ربما لم يغنّها في حياته. الأغنية موجودة على "youtube" بصوت "Frank Sinatra"، الموضوع محيّر، ولا تفسير عندي له. لماذا أقول هذا؟ لا أعلم. ظننت أنّه ينبغي ذكر ذلك، ففعلت.


*** ملاحظة أخيرة: التّرجمة كانت رائعة، ومبشّرة، وهو أمر بات قليلًا في الفترة الأخيرة. شكرًا صلاح صلاح.





(أغنية "Pretend" لنات كينغ كول)



(غلاف النّسخة العربيّة (المترجمة))

الثلاثاء، 23 أبريل 2013

قراءة في رواية اللوح الأزرق.. جيلبيرت سينويه


         
          جاءت الرواية للكاتب الفرنسي جيلبيرت سينويه عن دار الجمل، بترجمة آدم فتحي. قبل الغوص في الكلام عن الرواية سأوجز بالقول أنها تتحدث عن لوح فيه رسالة من الله (إله المسلمين)، أو الرب (إله المسيحيين)، أو إلوهيم (إله اليهود)؛ فيها الدليل الدامغ على وجوده. اللوح مخبأ في مكان ما. إذ يبدأ الثلاثي "الشيخ ابن سراج" و "الحبر صموئيل عزرا" و "الراهب رافائيل فارغاس" في رحلتهم للبحث عن ذلك الفردوس الأرضي من خلال محاولة فك ثماني شفرات خبأها حامي اللوح "ابن برول" . الرواية كبيرة، من كافة الجوانب سواء على المستوى المادّي من حيث عدد صفحاتها الـ 564 صفحة، أم على المستوى المجازي المتمثّل بما ترمي إليه الرواية من تقارب مرجوّ بين معتنقي الديانات السماوية الثلاث. أجد أنّ أفضل وسيلة لتفكيك هذا البناء الروائي الضخم هو تقسيمه إلى حيثياته الأولية، بحيث تسهل الرؤية علينا كقرّاء.


-          الزمان:

          
أواخر القرن الخامس عشر، زمن محاكم التفتيش، الأندلس - أو ما تبقّى من أشياء كانت تدعى الأندلس-(إسبانيا).

-          المكان:

          ربما يكون من الإجحاف محاكمة الرواية بناء على معايير مسبقة، فأن تقرأ عددًا من الروايات التي تستند على التاريخ في بنائها للنص، وتجد وصفًا بديعًا للمكان، لا يخوّلك لأن تعمّم ذلك على باقي الروايات التي تنتهج ذات المسلك. سأقول من باب الموضوعية، بأن النص افتقر للإبداع المكاني، الصورة كانت باهتة ومشوّشة، لا شيء يميّز إسبانيا (بقايا الأندلس)، ورغم أن النّص اعتمد كثيرًا على الشكل المعماري، خاصّة في الأبراج التي خبّأ فيها "ابن برول" شيفرة ما، إلّا أن خيال سينويه لم يسعفه ليوصل الصورة كاملة. لكن، لنتوقّف قليلًا، ولنعطِ كل ذي حق حقّه، هل هذا ما أراده سينويه؟ هل كان يشغله المكان حقيقة؟ أرى أنه أبعد ما يكون عن الانشغال المكاني، فقد سخّر كافّة أدواته لخدمة الحدث الأكبر، اللّوح الذي يضمّ الحكمة اللانهائية. وهذا ما قد يدفعنا لنتجاوز – غير منزعجين – عن ضعف الصورة، إلى عمق الغاية.

- الأشخاص:

          
يفاجئنا النّص منذ صفحاته الأولى، بأحد أبشع الأحداث التي ستظل وصمة عار في تاريخ البشرية؛ محرقة جماعية للمهرطقين الذين أدانتهم محاكم التفتيش. الكثير من "المارقين" الذين يتوسّلون شيئًا من الرّحمة، إلّا واحدٌ منهم يثير العجب، إذ يبتسم وهو على حافّة الموت. نكتشف مع مرور الصفحات أنه "ابن برول" صاحب الحظوة، وسليل العائلة التي خصّها الله بالعناية باللوح المقدّس (اللّوح الأزرق/كتاب السفير). أطلّ الله عليه برسالة من خلال اللوح، أخبره فيها بأنّ حياته قد شارفت على الانتهاء، وما عليه فعله ليضمن عدم ضياع اللوح؛ كأنّما لم يوجد "ابن برول" إلّا ليكون ناقلًا، لذا يزول العجب حين نراه يبتسم وهو يقابل الموت بكامل أريحيّة، إذ استطاع أن يكون خير ناقلٍ ورسول.

          يترك "ابن برول" خلفه ثماني شيفرات (يسمّيها قصورًا) بالغة التعقيد والحنكة، وهو ما يحيلنا بطبيعة الحال إلى المؤلف ذاته (جيلبيرت سينويه)، ففي النهاية هو من صاغ تلك الشيفرات. كلام مقطّع، جزء منه من التوراة وآخر من الإنجيل وآخر من القرآن. وهذا ما يفصح عن رغبة المؤلّف منذ البداية في خلق آصرة ما بين الديانات الثلاث.

          ثلاثة أجزاء، يعني وجود ثلاثة أشخاص يثق فيهم "ابن برول"؛ "الشيخ ابن سراج" و "الحبر صموئيل عزرا" و "الراهب رافائيل فارغاس".التقاء كل هذه الكراهية المتجذّرة (عِداء معتنقي الأديان المختلفة) في مكان واحد، لا بدّ أن ينشأ عنه نفور يصاحبه تقريع قد يصل حد التقليل وإهانة الدين المقابل. هذا يحاجج ذلك بكتابه، وآخر يرد عليه بكتابه أيضًا، كل ذلك من خلال حوارات لا أستطيع وصفها إلا بالمذهلة. حريّ بنا ألّا نغفل عن مسيحيّة الكاتب، فعرضه لكافّة الآراء على أرضية واحدة، دونما أي تلاعب يرجع لمعتقده؛ زاد مصداقية وحميمية تلك الحوارات. ينطلق الثلاثة في رحلتهم للبحث عن اللوح الأزرق أو كتاب السفير كما ذكر في الرواية. واضعين حيواتهم السّابقة في مهبّ الرّيخ، مستغنين عن كلّ شيء، غير آبهين سوى للحقيقة، والحقيقة وحدها.

          حدث أن سألت نفسي، أليست رحلة جافّة تلك التي يخوضها ثلاثة رجالٍ ينفرون من بعضهم على أهون سبب؟ إلّا أن سينويه ما لبث أن أبعد ذلك التساؤل، بزجّه بـ "مانويلّا فيفيرو" الدّسيسة من قبل الدّولة، بعد اكتشافها لرحلة الثلاثي التي تتهدّد بأمن البلاد (كما يظنون). مانويلّا شكّلت نقطة الاتّزان والقلق في ذات اللحظة في سير الأحداث، إذ نعرف من سياق الأحداث أنّها امرأة مثقّفة، تمتلك معايير أخلاقيّة، وليست لائقة لتشكل الجزء المظلم في الرّحلة، لكنّها وبدهاء كبير تحترف الكذب بداية كي تنال ثقة الثلاثي في رحلتهم. كما أن لسنّها الصغير ووجود راهب في مثل عمرها تقريبًا، يتهدّد سير الرّحلة الطويلة، بعلاقة نستطيع أن نحدس بها منذ انضمامها للجماعة.


 
-  الحبكة:

          
تقوم الرواية بشكل أساسي على تفكيك نصوص "ابن برول". النصوص التي بدت للوهلة الأولى مجرد طلاسم أقرب للعبة الـ "Puzzle" منها لكلمات ذات معنى، وهنا تتدخل أصابع روائي فذ، في حل المسألة تدريجيا، عن طريق سعة معلومات الحبر والشيخ والراهب، بالإضافة لمنويلَا التي كان عليها أن تدلي بدلوها كي لا يشكّوا بعمالتها. للحظات تشعر بأن هذا الرّباعي يحفظ تاريخ البشريّة بأكمله، كما لو أنّه كتاب مفتوح ويقرأون منه.

          تتسارع وتيرة الأحداث في مواضع لتتباطأ بأخرى، وأي قارئ يستطيع أن يستشف الرغبة لدى سينويه في كتابة رواية سريعة الوتيرة، لكن هل يستطيع ذلك؟ إن كم المعلومات اللاهوتية، والمعرفية في الرواية يحتّم عليها أن تكون مثقلة حد الإشباع، بحيث تبدأ الصفحات تجر بعضها بتثاقل ملحوظ، ومع ذلك فقد استطاع سينويه أن يشدّ القارئ إلى صفحاته، مما يشير إلى تمكّنه من أدواته الروائية وتحكمه بها جيدًا.

          ثم هناك اللّوح، اللّوح الذي يترتّب عليه تغيير مصير البشريّة كما يدور في حوارٍ بين "الشيخ ابن سراج" و "الحبر صموئيل عزرا":

   " -     هل تصدّق هذه الحكاية؟ حكاية اللوح الأزرق أو إن شئت الدّقة كتاب السفير؟

-          وماذا لو ألقيت عليك نفس السؤال؟

-          اسمع يا عزيزي، أنا وأنت أذكى من أن نهدر وقتنا في مثل هذه اللعبة. أجبني هل تصدّق أم لا؟

-          وماذا لو قلت لك إنّي أصدّق؟

أمال ابن سراج رأسه إلى الخلف وشرد بذهنه للحظة.

-          أعترف بأنّ الأمر لو صحّ لفاق كلّ تصوّر. "

          مع كلّ شيفرة يتمّ فكّها يلوح طرف من اللّوح في الأفق. الحقيقة الكلّية، تكمن هناك على بضع سنتيمترات من الخشب. يظلّ سؤال/هاجس يتردد في البال: هل سيصلون له؟ أم أننا أمام رواية عبثية أخرى، لن تفضي بالقارئ إلى شيء؟. ربّما هذا سؤال موجه للقارئ أكثر منه لكاتب مقالة عن رواية، لذا سأكتفي بطرح هذا السؤال، لعلّ قارئًا ما يعرف الإجابة بنفسه.

-          ملاحظة شخصية:

          يستطيع المطّلع على روايات دان براون أن يلحظ العديد من نقاط الالتقاء بينه وبين هذا العمل، فكلا الكاتبين يعتمد الشيفرة كوسيلة للدخول إلى العالم الروائي. وكلاهما يتكئان على الجريمة، كعنصر مفاجأة أوّلي. ما أريد قوله، هو كم البخس الذي طال هذا العمل، مقارنة مع ما حققه دان براون في "شيفرة دافنشي" على سبيل المثال. لا أودّ أن يُفهم كلامي على أنه تقليل من كاتب على حساب آخر، فمبتغاي الوحيد، هو إعطاء شيء من الاستحقاق لهذا العمل، وكاتبه الذكيّ.







قراءة في سيرة نزار قباني الثانية "من أوراقي المجهولة"


              هل هو درس في الجمال؟ أم أنه الجمال بحد ذاته؟

              ليس صحيحًا أن نزار شاعر بسيط، ويسهل القراءة له، كما يدعي بعض النقاد، أو أنصاف النقاد كما أسماهم نزار في كتابه هذا. على الرغم من أن هذا يحمل شيئا من الصواب، إلا أنه يشير باستهزاء إلى ضحالة شعر نزار. نعم نزار قباني شاعر يسهل القراءة له وإذا ما قارنّاه بشعراء معاصرين وعمالقة، أمثال أدونيس ودرويش وإيليا أبو ماضي وغيرهم، لوجدنا أن أسهلهم قراءة على الإطلاق هو نزار، فنزار أقلهم رمزية في شعره، وأقلهم تعقيدًا، ونصه لا يحتاج إلى تأويلات كثيرة، فهو يؤشر على نفسه بنفسه، على النقيض من أدونيس مثلًا، الذي لم تسعفني ذائقتي الشعرية ولا ثقافتي على فهم قصيدة واحدة له حتى اللحظة! ربما يعتبر البعض ذلك مأخذًا عليه، إلا أني أعتبره نقطة قوة كبيرة، فنزار وصل إلى قلب كل مواطن عربي من "الماء إلى الماء" كما قال هو. 

              هذا نص ينطق أكثر مما نطق أصلًا، ففيه من الجمال الشيء الكثير، ومن العذوبة ما يصعب وصفه في بعض الكلمات فنزار قباني لا يكتب شعرًا ولا يكتب نثرًا، بل هو يعري الكلمات ليبان الجميل منها والرديء وحده، إلا أنك لا تجد الرديء هنا،. فبضاعته مجربة، ولا تحتاج إلى شخص مثلي كي أقول أنها جميلة بل رائعة ومذهلة. نزار لا يحتاج للمرور من أمام نقاط التفتيش أمثالي، هو يمر بإنسانيته التي تجلت واقعًا وشعرًا. 

              لم أكن أعلم بأن الإنسان قادر على أن ينداح جمالًا بكل تلك السلاسة، وبلغة فائقة البساطة، بلا تعقيدات، ولا أحاجي، ولا دهاليز لغوية، كل الهدف منها هو استعراض العضلات، والتأشير على الذات بأنها تمتلك نواصي اللغة. كانت لغة الكتاب رقراقة، وكأن بالشعر والنثر يلتحمان ببعضهما كتوأم سيامي، فلا تعد تستطيع التفريق بين هذا وذاك.


              في هذا الكتاب، أو الكتيّب، يكشف نزار بعضًا من أوراقه المقلوبة، التي نسي أن يكشفها في سيرته الذاتية الأولى "قصتي مع الشعر"، تلك الأوراق التي تخبئ وراءها نزار الإنسان أكثر من نزار الشاعر، هو لم يختلف هنا، ما زال شاعر الحب، لكنه انتقل قليلًا ليكتب عن الحب نثرًا، ليكتب عن بيروت، جنة الستينات، وعن بحرها وشجرها ومطاعمها وناسها، ليكتب عن معضلة السياسة والمثقف، ليكتب عن أسوأ وأعجب اللحظات في حياته، ليكتب عن محمد عبدالوهاب ونجاة الصغيرة، ليكتب عن معاناته مع جهل السياسيين في بلده سوريا، وعن أشياء أخر كثيرة لن أستطيع أن أفيها حقها هنا. 

              سأنهي ما كتبت عن الكتاب بقصيدة "حبلى" لنزار قباني، لتقوم هي بمهمة التأكيد على عظمة هذا الشاعر الفذ:

لا تَمْتَقِعْ!

هيَ كِلْمَةٌ عَجْلَى..

إنّي لأشعرُ أنّني حُبْلَى..

وصرختَ كالملسوعِ بي.. "كلاَّ"..

سنُمزِّقُ الطفلا..

وأخذتَ تشتُمُني..

وأردتَ تطرُدُني..

لا شيءَ يُدْهِشُني..

فلقد عَرَفْتُكَ دائماً نَذْلا..

*


وبَعَثْتَ بالخَدَّام يدفَعُني..

في وحشة الدربِ

يا مَنْ زَرَعْتَ العارَ في صلبي

وكَسَرتَ لي قلبي..

ليقولَ لي:

"
مولايَ ليس هنا.."

مولاهُ ألفُ هنا..

لكنهُ جبُنَا..

لمَّا تأكَّدَ أنني حُبْلى..

ماذا.. أَتَبْصُقُني؟

والقيءُ في حَلقي يُدَمِّرُني

وأصابعُ الغَثَيان تخنُقُني..

ووريثكَ المشؤومُ في بَدَني

والعَارُ يسحَقُني..

وحقيقةٌ سوداءُ.. تملؤني

هي أنني حُبْلَى..

ليراتك الخمسون ..

تضحكني

لمن النقود.. لمن؟؟

لتجهضني؟

لتخيط لي كفني

هذا إذنْ ثَمَني؟

ثمنُ الوفا يا بُؤرَةَ العَفَنِ..

أنا لم أجِئْكَ لمالِكَ النَتِنِ..

"
شُكْراً.."

سأُسقِطُ ذلك الحَمْلاَ

أنا لا أُريدُ له أباً نَذْلا..