‏إظهار الرسائل ذات التسميات كارل أوڤه كناوسغارد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كارل أوڤه كناوسغارد. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 13 يوليو 2018

كارل أوڤه كناوسغارد: العيش في عالم الكلمات




* مقطع مُترجم من الجزء الثاني من رواية كفاحي للنّرويجي كارل أوڤه كناوسغارد. المقطع من صفحة 34 حتّى صفحة 41. 


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان إيريك يتمايل مع الموسيقى، التفت، غمز لي ثمّ ذهب إلى المطبخ. في تلك اللحظة رنّ جرس الباب. لقد كان لينَس وابنه أخيل. ثبّتَ لينَس كيسَ تبغٍ أسفل شفته العليا، وكان مُرتديًا بنطالًا أسودَ، ومعطفًا داكنًا وأسفله قميصًا أبيضَ. كان شعرُه الأشقر مُشعثًا بعض الشيء، وعيناه اللتان تُحدّقان في الشقّة صادقتان وساذجتان.

"مرحبا" قال. "كيف حالك؟"

"بخير" قلتُ. "وأنت؟"

"آه، في تقدّم".

أخيل، الذي كان صغيرًا بعيونٍ داكنة وكبيرة، أخذ يخلع سترته وحذاءه بينما يتطلّع إلى الأطفال خلفي. الأطفال كالكلاب، دائمًا ما يجدون ضالّتهم وسط الحشود. بادلته ڤانيا النظرات. لقد كان المُفضّل عندها، لقد كان من اختارته ليلعب دور الإسكندر. لكن بعدما خلع ملابسه الخارجيّة توجّه مباشرة صوب الأطفال الآخرين، ولم يكن باستطاعة ڤانيا فعلَ شيءٍ لإيقافه. تسلّل لينَس إلى المطبخ، ولعلّ الوميض الذي خِلتُ أنّني التقطته في عينيه لم يكن سوى تطلُّعٍ للدردشة.

نهضتُ ونظرتُ إلى هايدي. كانت تجلسُ بجانب نبتة الزنبق أسفل النافذة، تأخذ الترابَ من الأصيص لتصنع أكوامًا صغيرةً منه على الأرض. توجّهتُ صوبها، حملتُها، كاشطًا ما استطعتُ بيديّ، ثمّ ذهبتُ إلى المطبخ باحثًا عن خِرقة. لحقتني ڤانيا. وحالما وصلنا، قفزت إلى حضن ليندا. في غرفة المعيشة بدأت هايدي بالبكاء. رمتني ليندا بنظرةٍ مُحيّرة.

"أنا سأتفقّدها" قلتُ. "فقط أحتاجُ شيئًا لأمسحَ به".

تجمهر النّاس حول منضدة ]صنع الطعام[، بدا الأمر كأنّ وجبة قيد التحضير، وبدلًا من حشر نفسي بينهم، ذهبتُ إلى الحمّام، قطعتُ لفّةً كبيرة من ورق الحمّام، رطّبتها أسفل الصنبور وعدتُ قاصدًا غرفة المعيشة ]لأكمل[ التنظيف. رفعتُ هايدي، التي لم تزل تبكي، وحملتها إلى الحمّام لأغسل يديها. لقد تلوّت وتشنّجت بين قبضتيّ.

"هوّني عليكِ، حبيبتي" قلتُ. "سننتهي سريعًا. تحمّلي قليلًا، الآن، أوك. ها قد انتهينا". هدأ البكاء حالما خرجنا، لكنّها لم تكن مسرورة تمامًا، كما لم تشأ أن أنزلها أرضًا، أرادت فقط أن تظلّ بين ذراعيّ. وقف روبن في غرفة المعيشة مصالبًا ذراعيه متتبّعًا حركات ابنته تيريزا، التي كانت تكبر هايدي ببضعة شهور، إلّا أنّها كانت تستطيع التلفّظ ببضع جمل.

"مرحبا" قال. "تكتب شيئًا هذه الأيّام، أليس كذلك؟"

"بلى، قليلًا" قلتُ.

"هل تكتبُ في المنزل؟"

"أجل، لديّ غرفة تخصّني."

"أليس ذلك صعبًا؟ أعني، ألا يعنُّ لكَ أبدًا أن تشاهد التلفاز أو أن تغسل بعض الملابس أو أيّ شيء، عوضًا عن الكتابة؟"

"لا بأس بذلك. لا أملك وقتًا كثيرًا كما لو أنّني أمتلك مكتبًا، لكن..."

"أجل، بالطبع" قال.

لديه شعرٌ أشقر طويلٌ قليلًا ومجعّدٌ عند مؤخرة عنقه، عيناه زرقاوان تمامًا، أنفٌ مسطّح، وفكّان عريضان. لم يكن قويًّا، ولا ضعيفًا كذلك. كان يلبس كما لو أنّه في منتصف سنواته العشرين، رغم كونه في أواخر الثلاثين. ليس لديّ فكرةٌ عمّا يدور في خلده، ولا أدنى فكرة عمّا يفكّر به، وحتّى اللحظة لم يكن هنالك شيءٌ خفيٌّ فيه. بل على العكس، أعطى وجهه وهالته انطباعًا بالمقروئيّة. رغم ذلك، ثمّة شيءٌ آخر، حدستُ ظلَّ شيءٍ آخر. كانت وظيفته مُعايشة اللاجئين مع المجتمع، كما أخبرني مرّة، وبعد بضعة أسئلة متتابعة عن عدد اللاجئين المقبولين في البلد وخلافه، تركتُ المسألة لأنّ الآراء و]شكل[ التعاطف الذي أملكه كانا بعيدين جدًا عن المعايير التي افترضتُ أنّه يمثّلها والتي ستبرزُ عاجلًا أم آجلًا، وعندئذ سأبدو بمظهر الشرّير أو الغبي، ما لم يُعطِني سببًا ]لإكمال الحوار[.

ڤانيا، التي كانت تجلس على الأرض بعيدًا بعض الشيء عن بقيّة الأطفال، نظرت صوبنا. أنزلتُ هايدي أرضًا، ثمّ بدا كأنّ ڤانيا انتظرت هذا: انتهضت مرّة واحدة ثمّ اقتربت، أمسكت بيد هايدي وأخذتها إلى رفّ الألعاب، وأعطتها هناك حلزونًا خشبيًا بقرون استشعار تصدر طنينًا حين تسحبه على الأرضيّة.

"هايدي، انظري" قالت، ثمّ أنزلته من يدها واضعةً إيّاه على الأرض. "تسحبين الخيط هكذا. فتصدر طنينًا. أترين؟".
شدّت هايدي الخيط ودفعت. فانقلب الحلزون على رأسه.
"لا، ليس كذلك" قالت ڤانيا. "سأريكِ".
عدّلت من وضع الحلزون وسحبته أمتارًا قليلة.

"لديّ أختٌ صغيرة!" قالت بصوتٍ عالٍ. اتّجه روبن صوب النافذة. إذ وقف مُحدّقًا في الباحة الخلفيّة. ستيلّا، التي كانت نشيطة وحيوية أكثر من المفترض بحكم أنّها حفلتُها، هتفت بحماس شيئًا لم أتبيّنه، مؤشّرة صوب واحدة من البنتين الصغيرتين، اللتين سلّمتاها الدّمية التي كانتا تمسكانها، أخرجت عربة أطفالٍ صغيرة، وضعت الدّمية فيها وأخذت تجرّها أسفل الرّواق. وجد أخيل طريقه إلى بنجامين، وهو طفلٌ يكبر ڤانيا بثمانية عشر شهرًا وغالبًا ما ينغمس بعمقٍ في أمرٍ ما، برسمة أو كومة ليغو أو سفينة قراصنة بقراصنة بلاستيكيّة. كان مُبدعًا، مستقلًا ومهذّبًا، وها هو يجلس مع أخيل الآن، مكملين بناء سكّة الحديد التي بدأناها أنا وڤانيا. الطفلتان الصُّغريان ركضتا خلف ستيلّا. هايدي كانت تتذمّر. أغلبُ الظنّ أنّها جائعة. ذهبتُ إلى المطبخ وجلستُ بجانب ليندا.

"هلّا ذهبتِ وراقبتهما قليلًا؟" سألتُ. "أظنّ أنّ هايدي جائعة". أومأت، ربّتت على كتفي ونهضت. أخذتُ بضع لحظاتٍ لأتبيّن موضوع الحوارين الدائرين حول الطاولة. الأوّل كان عن تشارك السّيّارات، الثّاني كان عن السّيّارات، ولقد استنتجت أنّ الحوارين قد انتهيا في اتجاهين معاكسين. الظلام خارج النوافذ كان حالكًا، النّور في المطبخ كان مقتصدًا، التجاعيد في الوجوه السّويدية حول الطاولة كانت قابعة في الظلّ، وأخذت العيون تلمع في وهج الشّموع. إريك وفريدا وامرأة لا أتذكّر اسمها كانوا واقفين إلى منضدة الطعام مديرين ظهورهم لنا، يعدّون الطّعام. الحنان الذي شعرتُ به تجاه ڤانيا ملأني حدّ البكاء، لكن لم يكن هناك شيءٌ بإمكاني القيام به. ألقيتُ نظرةً على من يتحدّث، مُقدّمًا ابتسامةً باهتة كلّما لاحت طرفة راشفًا من كأس النبيذ الأحمر الذي وُضِع أمامي.

أمامي مباشرة كان الشخص الوحيد المُتميّز ]عن البقيّة[. وجهه كبير، ثمّة نُدَبٌ على خدّيه، ملامحه خشنة، وعيناه حادّتان. يداه ]الموضوعتان[ على الطاولة كبيرتان. كان يرتدي قميصًا من طراز سنوات الخمسين وجينزًا أزرقَ مكفوفًا حتّى ربلة الساق. شعره كان يمثّل سنوات الخمسين تمامًا، وقد كان يتسلّى بما على منضدة الطعام. لكن ليس ذلك ما جعل منه مختلفًا؛ لقد كانت شخصيته، بإمكانك أن تشعر بجلوسه هناك، رغم كونه لم ينطق كثيرًا.

مرّة كنتُ في حفلٍ في ستوكهولم حيث تواجد فيها ملاكمٌ. كان يجلسُ في المطبخ، حضوره الجسديّ ملموسٌ، وقد ملأني بإحساسٍ مميّز لكنّه غير مريحٍ بالنقص. شعورٌ بأنّني كنتُ أقلّ منه. والغريب، أنّ تلك الليلة أصرّت أن تثبت كلامي. صاحبة الحفل كانت صديقة ليندا، كورا، بيتها كان صغيرًا، لذا وقف الجميع للدردشة في كلّ مكان. كانت الموسيقى تصلنا صاخبة من غرفة المعيشة. في الخارج، كانت الشوارع بيضاء من الثلج. كانت ليندا حُبلى بشدّة، ولعلّها الحفلة الأخيرة التي كان بمقدورنا الذهاب إليها قبل أن يُولد الطفل ويُغيّر كلّ شيء، لذا رغم كونها متعبة، أرادت أن تجرّب وتبقى هناك لمدّة. كان لديّ قليلٌ من النبيذ بينما أدردشُ مع توماس، الذي كان مُصوّرًا وصديقًا لغيير؛ كان يعرفُ كورا من خلال شريكته، ماري، وقد كانت شاعرةً إضافة إلى كونها أحد مرشدي كورا في ثانويّة بِسكوبس-آرنو الشعبيّة Biskops-Arnö Folk High School. كانت ليندا تجلس على كرسيّ سُحب من وراء الطاولة بسبب بطنها، كانت ضحوكةً وسعيدة، ولعلّي كنتُ الشخص الوحيد المُدرك للانطواء الطفيف والحماسة الباهتة التي سيطرت عليها خلال الأشهر القليلة الماضية. نهضت بعد قليلٍ وانتقلت ]إلى مكانٍ آخر[، ابتسمتُ لها وأعدتُ انتباهي إلى توماس، الذي كان يقول شيئًا عن جينات ذواتِ الشعر الأحمر، المتواجدات بكثرة ذلك المساء.

ثمّة أحدٌ يطرُق.

"كورا" ]هكذا[ سمعت. "كورا!"

هل كانت ليندا؟

نهضتُ وتحرّكتُ صوب الرواق.

كان الطرقُ قادمًا من داخل الحمّام.

"أهي أنتِ، ليندا؟" سألت.

"نعم،" قالت. "أعتقد أنّ قفل الحمّام قد علق. هل تستطيع أن تجلب كورا؟ لا بد من وجود طريقة ]لفتحه[."

ذهبتُ إلى غرفة المعيشة ونقرتُ كتف كورا. كانت تحمل طبقًا من الطعام في يدٍ وكأسًا من النبيذ الأحمر في الأخرى.

"ليندا محبوسةٌ في الحمّام" قلتُ.

"أوه لا!" قالت، ثمّ أنزلت الكأس والطبق وخرجت.

تجاذبتا الحديث بُرهةً عبر الباب الموصد. حاولت ليندا اتّباع التعليمات التي أُعطيت، لكنّ شيئًا لم ينفع، كان وما زال الباب عالقًا. كان جميع من في الشّقّة مُدركًا لطبيعة الموقف، وقد صار المزاج خليطًا من المُتعة والحماسة، أخذ قطيع كامل من البشر الواقفين في الرواق الإدلاء بنصائحهم لليندا وكورا، وبذهولٍ وقلق، ظللتُ أذكّر أنّ ليندا حبلى بشدّة، وأنّ علينا فعل شيءٍ بسرعة. توصّلنا أخيرًا إلى الاتصال بحدّادٍ مختصٍّ بالأقفال. وبينما نحن في انتظاره وقفتُ بجانب الباب مُحدّثًا ليندا ]العالقة[ في الداخل، منزعجًا من وعيي لحقيقة أنّ باستطاعة الجميع أن يسمع ما أقول و]يدرك[ قلّة حيلتي. ألا أستطيع أن أركل الباب وأخرجها؟ ببساطة وفاعلية؟

لم أركل بابًا من قبل قط. لم أكن أعرف مدى صلابته. تخيّل لو أنّه لم يتزحزح. كم سيبدو ذلك غبيًا؟

وصل الحدّاد بعد نصف ساعة. بسط حقيبة أدوات من القماش على الأرض وبدأ يعبث بالقفل. كان صغيرَ الحجم، يرتدي نظّارات ولديه بدايات صلعٍ، لم يقل شيئًا للدائرة المتجمهرة حوله، جرّب أداة تلو الأخرى بلا فائدة، لم يتزحزح القفل اللعين. في النهاية، أعلن استسلامه، مُخبرًا كورا أنّ الأمر بلا فائدة، لم يستطع فتح الباب. 

"ماذا علينا أن نفعل إذن؟" سَأَلَتْ كورا. "ستُنجب قريبًا!".

هزّ كتفيه. "عليكم أن تركلوه" قال، ثمّ بدأ يلُمّ أدواته.

من كان سيركله؟

يجب أن يكون أنا. فأنا زوج ليندا. إنّها مسؤوليّتي.

كان قلبي يخبط بشدّة.

هل عليّ فعلها؟ أن آخذ خطوة للوراء أمام مرأى الجميع وأركله بكلّ ما أوتيت من قوّة؟ ماذا لو لم ينفتح الباب؟ ماذا لو انفتح وضرب ليندا؟

سيكون عليها أن تحتمي في الزاوية.

بهدوء، أخذت شهيقًا وزفيرًا بضع مرّات. لكن دون فائدة، ما زلتُ أرتجف من الداخل. جلبُ انتباهٍ مثل هذا شكّل لعنة بالنسبة لي. وكان ليصير الوضع أسوأ مع المخاطرة بالفشل.

نظرت كورا في الأرجاء.

"علينا أن نركل الباب" قالت. "من يستطيع فعلها؟"

اختفى الحدّاد ]منسّلًا[ عبر الباب. إذا كان سيقع الاختيار عليّ، فقد حان الوقت لأتقدّم.

لكنّي لم أستطع إجبار نفسي على فعلها.

"ميكي" قالت كورا. "إنّه ملاكم."

استدارت لتجلبه من غرفة المعيشة.

"بإمكاني سؤاله" قلتُ. والحال كذلك لن أخفي عارًا على أيّ حال، سأقول له مباشرة إنّني، بوصفي زوج ليندا، لم أجرؤ على ركل الباب، وإنّني أسأله، بوصفه ملاكمًا وعملاقًا، أن يقوم بذلك عوضًا عنّي.

كان يقف بجانب النافذة بيده ]كأس[ بيرة ويدردش مع فتاتين.

"مرحبًا، ميكي" قلتُ.

نظر تجاهي.

"ما زالت عالقة في الحمّام. لم يستطع الحدّاد فتح الباب. بإمكانك ركله، ألا تعتقد؟"

"بالطبع" قال، حدّق بي لحظة ثمّ أنزل البيرة واتجّه صوب الرواق. تبعته. ابتعد الناس جانبًا بينما يشقّ طريقه صوب الباب.

"ألا زلتِ في الداخل؟" سأل.

"بلى" قالت ليندا.

"قفي في أبعد نقطة تستطيعينها عن الباب. فأنا بصدد ركله"

"بالطبع" قالت ليندا.

انتظر للحظة. ثمّ رفع قدمه وركل الباب بقوّة أسقط معها القفل داخل الحمّام. تناثرت شظاياه.

حين خرجت ليندا، صفّق بعض الناس.

"أيّتها المسكينة" قالت كورا. "أنا آسفة. تعريضك لأمر كهذا. ثمّ..."

استدار ميكي وذهب.

"كيف حالُكِ؟" سألت.

"بخير" قالت ليندا. "لكنّني أعتقد أنّ علينا العودة إلى المنزل بأسرع وقت."

"بالطبع" قلت.

أُخفضت الموسيقى في غرفة المعيشة لأن امرأتين في أوائل الثلاثين كانتا على وشك قراءة قصائدهما المُتدفّقة. أعطيت ليندا معطفها، لبستُ خاصّتي، ودّعتُ كورا وتوماس، ذبل ]الإحساس[ بالعار في داخلي، لكن بقيت المهمّة الأخيرة، كان عليّ أن أشكر ميكي لما فعل. شققتُ طريقي وسط جمهور الشّعر وتوقّفتُ عند النافذة أمامه.

"شكرًا جزيلًا" قلتُ. "لقد أنقذتها".

نفخ خدّيه وهزّ كتفيه. "إنّها مسألة بسيطة".

في التاكسي في طريق العودة لم أكد أنظر صوب ليندا. لم أكن على قدر المسؤوليّة. كنتُ جبانًا حدّ تركي المهمّة لشخصٍ آخر، وقد كان كلّ ذلك واضحًا في عينيّ. لقد كنتُ ضعيفًا بائسًا.

سألتني حين كنّا في السّرير عن خطبي. قلتُ لها إنّني شعرتُ بالخجل لأنّني لم أخلع الباب. نظرت لي باندهاش. لم تخطر الفكرة لها حتّى. لماذا كان عليّ ذلك؟ فهذه ليست طبيعتي، أم إنّها كذلك؟

أشاع الرّجل الجالس في الجهة المقابلة من الطاولة المشاعر ذاتها التي أشاعها الملاكم في ستوكهولم. ليس للأمر علاقة بحجم جسده أو كتلته العضليّة، وعلى الرغم من أنّ العديد من الرجال هنا كانت أجسادهم من الأعلى قويّة ومدرّبة تدريبًا جيّدًا فما زال تأثيرهم قليل الشأن، كان حضورهم عابرًا وضئيلًا مثل فكرة عارضة. لا، ثمّة شيءٌ آخر، وكلّما واجهتُ ذلك الشيء ازداد الأمر سوءًا، إذ أرى نفسي بوصفي ذلك الضعيف مسلوب الإرادة الذي كنتُ عليه، الذي عاش حياته في عالم الكلمات.


الخميس، 5 أبريل 2018

النظر في عينيّ كناوسغارد*





"بِمَ التّعَلّلُ لا أهْلٌ وَلا وَطَنُ
وَلا نَديمٌ وَلا كأسٌ وَلا سَكَنُ

أريدُ من زمني ذا أن يبلّغني
ما ليس يبلغه في نفسه الزمنُ"
-          المتنبّي

ببليوجرافيا

قبل الأخذ في الحديث عن كارل أوفه كناوسغارد، وروايته "كفاحي"؛ كناوسغارد روائي نرويجيّ، وُلِد عام 1968 (50 عامًا). نشر روايته الأشهر "كفاحي – Min Kamp" في ستّة أجزاء بين عامي 2009 و2011. وترشّح عنها 3 مرّات لجائزة الإندبندنت للأدب المُترجم للإنجليزية أعوام 2013 و2014 و2015 قبل أن تُدمج الجائزة مع جائزة المان بوكر العالميّة. نشر في بداياته روايتين، هما "خارج العالم – Out of the world" (1998)، و"وقتٌ لكلّ شيء – A time for everything" (2004). كما نشر مؤخّرًا رباعيّة سمّاها بأسماء فصول السنة، يجمع فيها رسائل لابنته التي لم تكن قد وُلدت ساعة الكتابة، ونصوصًا عن العالم الخارجي، الموضوعي كما يقول، إذ يحاول الكتابة بتجريدٍ عن أشياءَ عيانيّة، مثل: التفاح، سيارات الإسعاف، البول، الأسنان، العناوين. وغيرها. الجزء الأول من "كفاحي"، المعنون ب "موت في العائلة" (ترجمة الحارث النبهان عن دار التنوير)، هو أول أعماله بالعربيّة، وسيلحقه باقي أجزاء الرواية الستة تباعًا، والتي، باختصارٍ مخلّ، تسرد قصّة حياة الكاتب، "كفاحه" مع الحياة اليوميّة، الأشياء الصغيرة والتافهة كما يقول، أو النقيض الكلي لما كافح هتلر من أجله. 

أشاعت روايته هذه ضجّةً كبيرة، وقد نعدُّ أسبابًا كثيرة ساهمت في هذا الضجيج: تطابق عنوان الرواية مع عنوان كتاب هتلر، الكتابة عن أناس وأحداث حقيقيّة، الكثير من المقارنات مع رواية بروست "البحث عن الزمن المفقود" لتشابهات خارجيّة على الأقل، فكلا الروايتين طويلتان جدًّا، وكلاهما عن حياة الكاتبين الشخصيّة. أضِف مساهمة المعترضين من عائلته على جعلهم مواضيع في روايةٍ، ترسم صورة لهم لا تعجبهم، سواء أمام أنفسهم أم أمام الآخرين، في ذلك الضجيج. بإمكان كل تلك الجلبة أن تجلب الشهرة، كما حدث ويحدث مع كُتّابٍ من أمثال ميشيل ويلبيك في فرنسا أو أشرف الخمايسي في مصر. أسبابٌ خطأ، تحجب الرؤية عن الرواية نفسها، وعن إمكان قراءتها بهدوء. لذا لا بُدّ من عودةٍ إلى المتن، إلى الرواية نفسها، للبحث عن جودةٍ ما، أو عدمها.



عجزٌ معرفيّ

سأبدأ، محاولًا التماهي مع فضائحية كناوسغارد، بفضح نفسي، وبسردٍ قد يقال عنه تافهًا، زائدًا، أو أيًّا من مفردات الخفّة. قرأتُ الرواية أثناء دراستي في فنلندا. كلُّ شيءٍ في ذلك البلد يوحي بالموت: ليلٌ طويل، هدوء قاتل، بردٌ يجمّد الجسد والمشاعر، وكثيرٌ من اللاجئين المرفوضين. أردتُ قراءة رواية تحاكي هذا المشهد، ظنًّا منّي، بسذاجة من يصف شرق الآسيويين جميعهم بالصينيّين مثلًا، أنّ النرويج تشبه فنلندا. إذ ما هي اسكندنافيا غير ما ذكرته آنفًا: موتٌ يعلوه موت؟ اختزالٌ معيب. لكن، ما لم أحسب حسابه، أنّ الرواية تكرّس ذلك الإحساس بالضيق، كأنّ كناوسغارد لا يكتب عن الموت، الصمت، الثلج، القلق. بل يكتب تلك الأشياء نفسها، جوهرها. تصير الكتابة نفسها، محاولة طويلة في التجريد، لدرجة يصعب معها إيجاد لغة للحديث عنها.

زيادةً أو إمعانًا في ذلك، لم أشعر بعجزٍ معرفيّ في حياتي أكثر من ذاك الذي عشته بعد انتهائي من الجزء الأوّل من الرواية. يرين صمتٌ بيني وبين أيّ شخصٍ أحدّثه عن الرواية لحظة يسألني عن رأيي بها: ثمّة شيءٌ أحدسه، كما الزمن عند القدّيس أوغسطين، كما الحبّ عند باتريك زوسكند1، أعرفه، وحين آتي لأتحدّث عنه، يصير ماءً. مثلًا، قد أجد شيئًا لأقوله لو أنّني قرأتُ "البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست، لكنّني لم أقرأها. قد أجد شيئًا أقوله لو قرأتُ أكثر لميشيل فوكو أو أدورنو كما اقترحت مراجعة للرواية على موقع goodreads، لكنّني لم أقرأ كفاية من أعمالهما لأقول شيئًا يستحقّ. لكنّني مثل مسيحٍ أعمى، أصرُّ على المشي فوق الماء، مخاطرًا بالبلل، وبلا أملٍ أن يستحيل الماء بين يديّ نبيذًا.


في التباس الصيغة، وأهمّيّة الانطباع

يتّخذ الجزء الأوّل من الرواية الموتَ ثيمة له؛ موت أبي كناوسغارد نفسه مدارًا للكتابة. لكنّها ليست عن موته فقط، ثمّة أجزاء يعود فيها إلى جذور علاقته بأبيه، إلى وعيه الأوّل به: حزمه، لحظات الحنان النادرة التي صدرت عنه تجاه ابنيه، انحداره الوئيد صوب الكآبة حتّى انتهى به الأمر مدمنًا على الكحول التي قتلته تاليًا. كما تتحدّث الرواية عن الكتابة، علاقة الكاتب مع الكحول والنساء، علاقته بأخيه وأمّه وجدّته وأقربائه، وأخيرًا ما يربو على ال100 صفحة من التنظيف؛ تنظيف البيت الذي تُوفّي فيه والده.

يبدأ كناوسغارد الجزء الأوّل من روايته "كفاحي – موتٌ في العائلة" بمقطع سرديّ طويل عن الموت، منفصل بقدر ما هو مربتطٌ بأحداث الرواية. يتحدّث فيه عن الموت بصفته شبهة، نحاول درأها بعيدًا عن أعيننا ما استطعنا. ويضرب أمثلة على ذلك: ثلّاجات المستشفى دائمًا ما تكون بعيدة عن أعين الزائرين، ودائمًا في الطوابق السفلى؛ إن مات أحدهم في مكانٍ عام ("فتاة صغيرة ينتهي بها الحال تحت عجلات حافلة نقل" مثلًا، كما يقول)، نسارع أبدًا إلى تغطيته حتّى يُؤخذ بعيدًا عن الأعين إلى المستشفى. لم أقف كثيرًا عند المقطع حين قرأته أوّل مرّة، لكنّني أعود إليه الآن محاولًا البحث عن أيّ رابطٍ يجمعه بالرواية. يقول مثلًا: "ما سبب هذا الاستعجال كلّه من أجل إبعاد جثثهم عن أعين الناس؟ أهي اللياقة؟ ما الشيء الذي يمكن أن يكون لائقًا أكثر من السماح لأم فتاة، أو لأبيها، برؤيتها ساعة إضافية، برؤيتها مستلقية في موقع الحادث نفسه، ظاهرةً كلّها... رأسها المُحطّم وبقيّة جسدها، وشعرها الملطّخ بالدم، وسترتها المبطّنة النظيفة؟ مرئية للعالم كلّه، من غير أسرار، مثلما هي! لكن، حتى هذه الساعة الواحدة في الثلج أمرٌ لا مجال للتفكير فيه. المدينة التي لا تحفظ موتاها بعيدًا عن الأنظار، التي تترك الناس حيث يموتون.. على الطرق السريعة والطرق الفرعيّة وفي الحدائق ومواقف السيارات، لا تكون مدينة، بل جحيمًا"2. المُحيّر، أنّ هذا المقطع يقول الكثير عن الرواية، أو عن "الصيغة" التي كُتبت بها على حدّ تعبير الكاتب. طوال قراءتي، كنتُ أحاول وضع يدي على طريقة/أسلوب/صيغة كُتبت بها الرواية، لكن عبثًا حاولت (وثمّة احتمالٌ كبيرٌ أن يعود السبب لقلّة معرفتي، واطلاعي على الروايات)، إذ كنتُ ببحثي أتقمّص صوت كناوسغارد وهو يتساءل عن جثّة الفتاة/الصيغة التي يُسارَعُ إلى إخفائها، كلّما لاح طيفُ جسدها. المُحيّر كذلك، مقطعٌ ورد في الرواية، يفرّق فيه الكاتب بين الصيغة والأسلوب (ولا أعلم إن كان هنالك لبسٌ سببه الترجمة): "بل هو شرط الكتابة الوحيد، يجب أن يخضع كلّ شيء لصيغة الكتابة. إذا كان أيّ عنصرٍ آخر من عناصر الأدب أقوى من الصيغة، كالأسلوب أو الحبكة أو الفكرة... إذا استطاع أيٌّ من هذه العناصر أن يتحكّم بصيغة الكتابة فإنّ النتيجة بائسة. هذا ما يجعل الكُتّاب أصحاب الأسلوب القوي يكتبون كتبًا ضعيفة أكثر الأحيان. إنّه أيضًا ما يجعل الكتّاب أصحاب الأفكار القويّة يكتبون كتبًا سيئة أغلب الأحيان. لا بدّ من تحطيم الأفكار القويّة والأسلوب القوي حتّى يتمكّن الأدب من الوجود. هذا التحطيم ما يطلق عليه اسم "الكتابة". الكتابة قائمة على التحطيم أكثر ممّا هي قائمة على الخلق"3.

يمكنك أن تحدس فقط كيف تتمّ الأمور، إذ يمكن أن تمرّ صفحات عديدة وأنت مدركٌ لكلّ النقلات، تعرف المكان والزمان الذي يدور فيه المشهد، لكن ذكرى وحيدة، قادرة أن تسحبك معها إلى داخل كثيّب من الاستطراد يلتبس معها كلّ ما حولك. حتّى وإن كنّا نتعامل مع سيرة ذاتية هنا، تظلّ الكتابة محكومة بالذاكرة، بالتالي وإن بدت الأشياء حقيقيّة، تظلّ مخترعة، بالأخصّ المشاعر. ولعلّ أحد الأشياء التي أرادها كناوسغارد من روايته هذه، هي الانطباعيّة: أن نحيّد العقل قليلًا، ألّا نتّخذ موقفًا واضحًا إزاء ما نقرأ، وأن نتقلّب كما تتقلّب الشخصيّات والأحداث والمشاعر، وخاصّة الأخيرة، فهي متغيّرة وغير قارّة أبدًا. فـ"المشاعر كالماء. إنها تتكيف دائمًا مع ما يحيط بها. حتّى أشدّ الأحزان لا يترك أثرًا خلفه... عندما يبدو الحزن طاغيًا ويستمر زمنًا طويلًا جدًا، فإن هذا ليس لأن مشاعر الحزن قد استقرّت هناك، وليس لأنها تستطيع أن تستقرّ. إنها تقف ساكنة في مكانها مثلما يقف الماء ساكنًا في بركة في الغابة"4.



موت العائلة

في أحد حواراته يقول كناوسغارد: "تُعدّ الكتابة وسيلة لطرد الخجل. حين تكتب، فالفكرة كلّها كيف تصير حرًّا. مِمَّ تصيرُ حُرًّا؟ من الناس الذين يبحلقون بك. أعتقد أنّ الخجل يلعب دورًا رئيسًا في الحياة الاجتماعيّة. إنّه ينظّم كلّ شيء ويجعل الناس يتصرّفون بأدب ولياقة تجاه بعضهم البعض. لكنّني أملك الكثير منه، جرعاتٍ مفرطة. أنا مقيّدٌ للغاية وليس بوسعي فعل شيءٍ". في حوارٍ آخر، يقول "من خلال تجربتي، حين تكتب فأنت تريد الحقيقة، كما لا تريد أن تعتذر بأيّة طريقة". نحنُ هنا إزاء فكرتين، الأولى هي الحجاب الذي يخلقه هذا الخجل "بجرعاتٍ مفرطة"، والثانية هي الكشف الذي يتحقّق، إن تحقّق، بالكتابة، بدافع التحرّر كما يقول الكاتب. أمّا مسألة اللياقة التي تحدّث عنها، فإنّها أمرٌ ثانوي، خاصّة إن قيلت الحقيقة عاريةً، بلا أعذار. مسألة الحقيقة هذه إشكاليّة في رواية تنتقي مشاهدَ من حياة طويلة، باعتبارها الحقيقة كاملة (رغم عدم ادّعائه الموضوعيّة أبدًا، حتّى أنّ صوت كناوسغارد في الرواية يبدو أحيانًا أقرب لطفلٍ صغيرٍ بكّاءٍ لا يريد أن يكبر ويكتب ما كتب). يُحاول كناوسغارد إمساك سرديّة حياته، فإذا مورس عنفٌ عليه بعدم نيله الاعتراف من أبيه في طفولته، فإنّه الآن يعيد كتابة حياته كما رآها، وإن عنى ذلك أنّه بات من يمارس عنف كتابة حياة الآخرين فلا بأس، هذا عَرَضٌ تافه، لكنّه مطلوبٌ أيضًا، فالعودة للماضي، لبداية الوعي بالأشياء، قصدَ نيلِ الاعتراف ستظلّ حتمًا ناقصة دون هؤلاء الآخرين، الأحياء. الكتابة هنا لهم بقدر ما هي ليست لهم. لهم لأنّ كناوسغارد يريد أن يستعير لهم عيني أبيه، الذي لن يقرأ الرواية، ولن يعرف أن ابنه قادرٌ على اجتراح شيءٍ مهم. وليست لهم لأنّها عنيفة، تنزع عنهم خصوصيّتهم وتلقيهم في صحراء عرضها قرّاء كلّ اللغات التي تُرجمت لها الرواية، وأيضًا لأنّ اعترافهم به، إن تمّ، سيظلّ ناقصًا، فهم ليسوا أباه. الموت المشارُ إليه في العنوان "موتٌ في العائلة"، لا يشير إلى أبيه فحسب، بل يتمدّد ليشمل عائلته بأسرها.


خطر الحقيقة

يجب أن نسأل هنا، إن كان هذا حكمًا/إدانة  أطلقه/ـا كناوسغارد على عائلته؟ لكن قبل ذلك، لنعقد اتّفاقًا ونقول إنّ قول الحقيقة خَطِرٌ (وسأقول لماذا بعد قليل)، لا على مستوى العلاقات العائلية في هذه الحالة وحسب، بل لما ينطوي عليه من ادّعاءٍ أبعد من مجرّد الكتابة عن شيء مألوف بهدف طيِّ صفحته، ادّعاءٌ أو قل تصريحًا بكتابة شيءٍ مختلف، عظيم، الأمر الذي ذكره كناوسغارد صراحة أحيانًا: "يمكن أحيانًا أن يصير إحباطي مذعورًا، بل عدوانيًا أيضًا. عندما يتهدد الخطر بهذه الطريقة الشيء الذي جعلني أواصل السير خلال حياتي الناضجة كلها، الطموح في كتابة شيء استثنائي ذات يوم، تتملكني فكرة واحدة تقرض دماغي كأنّها فأر: فكرة أنّ عليّ الفرار."5، ومواربة أحيانًا أخرى: "لم يدرك أحد هذا الأمر أكثر من رامبو. ليس الأمر المتميّز عند رامبو هو أنّه توصّل إلى هذه البصيرة العميقة في سن مبكرة إلى حد مقلق بل إنّه طبقها على حياته أيضًا. عند رامبو، كان كلّ شيء متعلقًا بالحرية، في حياته كما في كتاباته. ولأنّ الحرية تأتي أولًا، تمكّن رامبو من وضع كتاباته خلف ظهره، بل ولعله وجد أن عليه أن يضع الكتابة خلف ظهره أيضًا لأنها تصبح بدورها قيدًا لا بُدّ من تحطيمه"6. قلتُ إذا اتفقنا، فقد "يكون قرار الإفصاح عن حقيقة ما يجول في الذاكرة والخاطر خطِرًا لأنّه، رغم احتمال تجميله الصورة بصفة الصدق، يبقى قابلًا لأن يصبح خطأً جسيمًا ولو بعد حين"7. كيف؟ بأن تخرج الكتابة رديئة. فما نفع كلّ هذا الكلام عن الصيغة، الحقيقة، إن كان ما نتحدّث عنه رديئًا؟ أو إن كانت كتابة صفراء مثلًا، لا تروم سوى البكاء، اللطم، وتسديد لكمة لأبٍ ميتٍ لن يقرأ أيَّ كلمة كُتبت؟ لكنّني متمسّكٌ بالقول إنّها لم تكن كذلك. إذا حوّرنا قليلًا فيما تقوله جوديث بتلر: "إن نظرتَ مثلًا في سؤال سيمون دي بوفوار "هل ينبغي إحراق ]الماركيز دو[ ساد (والد كارل أوفه كناوسغارد)؟" وجدت الأمور أكثر تعقيدًا. قد يكون الحال أننا لا نكون قادرين على التأمل الأخلاقي في إنسانيّة الآخر، حتّى عندما يكون ذلك الآخر قد سعى إلى محق البشريّة (طفولة كناوسغارد هنا)، إلّا بتعليق الحُكم عليه"8. لنعد الآن للسؤال، إن كان هنالك أيّة إدانة قد أطلقت هنا؟ سأتشجّع وأجيب بنعم إزاء عائلته، ولا إزاء أبيه. يقول كناوسغارد في حوارٍ (مذكورٍ سالفًا): "ثمّة من يكتب عنّي مؤخّرًا، وأنا فقط لا أستطيع تقبّل المسألة"؛ ويقول في موضعٍ في الرواية، وبعد أن يبدي حبّه لأطفاله، إنّه يريد شيئًا أكثر، لا يمكن للأبوة أن تجلبه؛ علاقته بأخيه إنغفه، قامت على التباين والاختلاف وربّما المنافسة منذ البداية؛ تساؤله عن مشاعره تجاه زوجته الأولى، تونجه، وتأكيده على لسانها حبّها له. أمّا فيما يتعلّق بأبيه، فرغم كلّ مساوئه، ورغم قول إنغفه لكناوسغارد (في الرواية) إنّه آخر من يجب أن يأسف لموت والدهما، ظلّ يبكيه، دون تبريرٍ، حين علم خبر وفاته.

ولعلّ هذا يفتح بابًا للتساؤل ما إذا كان سيكتب ما كتب تمامًا، لو أنّ أباه كان على قيد الحياة لحظة الكتابة. ومع ذلك، يبدو أنّه من المهمّ لكناوسغارد، أن يكتب، ويثبّت، سرديّة واحدة لحياته، لأسبابٍ قد تتعدّى الفنّ، ولننسى قليلًا عنفها وتضمينها الأحكام، إذ ثمّة، في الرواية وخارجها، جانبٌ طفوليّ يصعب تجاهله، دفاعٌ مستميت عن بقعة أرضٍ لا تتجاوز مساحة قدميه.



تماهٍ أخير

تماهيًا، مجددًا، مع انطباعيّة الرواية التي أزعم، أريد استعارة بعض معايير الشعر الجيّد التي تحدّث عنها الجاحظ في كتابه "كتاب الحيوان"، نفس المعايير التي يؤخذ عليها انطباعيّتها أحيانًا. اختصارًا للحادثة، فقد انزعج الجاحظ مرّة من إعجاب شيخٍ ببيتين من الشعر حتّى قام بتدوينهما، وقال قولته الشهيرة عن كون المعاني مطروحة في الطريق، ثمّ أتبع: "وإنّما الشأن في ]...[ كثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السَّبك، فإنّما الشعر (الرواية هنا) صناعة، وضربٌ من النسج، وجنسٌ من التصوير"9. وإذا كان كلام الجاحظ هذا يدفعنا للتفكير أكثر في ماهيّة الماء وطبيعة النسج المقصود وغيرها، فإنّ كناوسغارد أيضًا يدفعنا للتفكير أكثر في طبيعة الصيغة، أهمية قول الحقيقة، ربطها وفصلها بالأحكام، دون أن يلقي بالًا للسؤال المُتفشّي: كيف نكتب الرواية؟ ففي النهاية "ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَموتُ"10 أو تحيا.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*): الإشارة إلى مقال كتبه كناوسغارد في النيويورك تايمز بعنوان "لقد صرتُ أحدًا، انظر لي – I Am Somone, Look at Me".
(1): عن الحب والموت – باتريك زوسكند - ترجمة لطيفة الدليمي – دار المدى – ص27
(2): ص8-9 من الرواية.
(3): ص209 من الرواية.
(4): ص273 من الرواية.
(5): ص35 من الرواية.
(6): ص209 من الرواية.
(7): إرادة الكتابة – بلقيس الكركي – المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر -  ص147.
(8): الذات تصف نفسها – جوديث بتلر – ترجمة فلاح رحيم – دار التنوير & جامعة الكوفة – ص100.
(9): كتاب الحيوان / الجزء الثالث – الجاحظ – ص131-132، أو باب "القول في المعنى واللفظ".
(10): سورة لقمان – آية 34.


الأحد، 11 مارس 2018

لقد صرتُ أحدًا، انظُر لي*


كارل أوفه كناوسغارد

10، حزيران 2014

By Robi Rodriguez

ليس لك أن تعتقد أنّك شخصٌ مميّز. ليس لك أن تعتقد أنّك جيّد مثلنا. ليس لك أن تُقنع نفسك أنّك أفضل منّا. ليس لك أن تعتقد أنّك أهمّ منّا. ليس لك أن تعتقد أنّك جيّدٌ في أيّ شيء. ليس لك أن تعتقد أنّ أحدًا يأبه لأمرك.

هذه ستٌّ من عشرة وصايا شكّلت قانون يانتي Jante؛ وهو مفهوم ابتدعه الكاتب الدنماركي-النرويجي آكسِل ساندِموزه عام 1933 في روايته “A Fugitive Crosses His Tracks”. يشرح القانون عقليّة مجتمعٍ يتحكّم الجميع فيه بالجميع، يخنق الجميعُ الفردَ حتّى يصير ثمن الحرّيّة الفردية هو النفي، ولكن حدود ]المنفى[ تتجاوز بلدة يانتي الخيالية الصغيرة. كان تشخيص ساندِموزه ]لتلك[ السلوكات مصيبًا فيما يخصّ الثقافة الاسكندنافيّة بأكملها. وقد ظلّ سويًّا حين كنتُ أكبرُ في سنوات السبعين من القرن الماضي. "ليس مسموحًا لك أن تعتقد أنّك أفضل من أيّ أحد" هي اللازمة التي لطالما سمعتها في طفولتي، ولم يلزم الأمر أكثر من قبّعة غريبة بعض الشيء أو سروال لا تألفه الأعين قبل أن يُذكّرك الناس بها، أو قبل أن يضحكوا عليك، أو في أسوأ الأحوال، يتجاهلونك. "يعتقد أنّه مميّز" هي أسوأ عبارة يمكن أن تُقال بحقّك.

لذا حين كان يُعرض المسلسل الأمريكي "شهرة – Fame" على التلفزيون النرويجي في بداية سنوات الثمانين، كان بالإمكان ]افتراض[ تصويره على كوكبٍ آخر. اعتقد كلّ من في الشاشة أنّهم مميّزون – هذا ما يدور المسلسل حوله! – كما لم يعدم وجود قبّعات غريبة بعض الشيء أو سراويل لا تألفها الأعين. ما الذي أراده أولئك الأطفال؟ أرادوا أن يُرَوا. أرادوا أن يعرضوا أنفسهم. وليس أمام محيطهم المباشر، أمام أصدقائهم وحسب، بل أمام الجميع. أرادوا أن يصبحوا مشاهير.

لماذا أرادوا ذلك؟ إنّه سؤال غبي. الشهرة تجلب الثروة، والثروة تجلب السلطة، وحياة تكون فيها جميع الأبواب، حتّى لأكثر الملذّات والمطامح انحطاطًا، مفتوحة. لكن ما هو أكثر أهميّة هو النقيض: لماذا - بحقّ العالم – قد يرفضُ أحدٌ كلّ هذا؟ أو، بشكلٍ أكثر دقّة، لماذا كان يُنظر للشهرة، في النرويج سنوات السبعين، على أنّها أمرٌ سوقيّ، غير مقبول، مُتهتّكة في أعمق معانيها؟

لقد كان هنالك مشاهير بالطبع، نجوم بوب ورياضيّون، يعبدهم الجميع، إضافة للعائلة الملكيّة. لكن ما كان يجمع هؤلاء المشاهير المبجّلين هو إصرارهم على أن يظهروا مثل الآخرين. لقد كانوا بسطاء، متواضعين، لا متكبّرين ولا مغرورين. لقد اهتمّوا بإبراز مدى عاديّتهم. لا تعود أكثر صور الملك أولاف الخامس أهمّيّة في مراسم تتويجه، حين ظهر محاطًا بكلّ تلك الأبّهة التي تخصّ الملوك، بل تعود إلى أزمة النفط سنة 1973، حيث كان جالسًا في الترام مُرتديًا معطفًا مطريًا مُظهرًا تذكرته للكمسري، مثل أيّ مواطنٍ آخر. بات الملك أولاف محبوبًا بسبب تلك الصورة، وما زال. ملك الشعب، هكذا يدعونه.





أثناء رحلة عائلية في ]قرية[ سوربوفاغ، النرويج، أواخر سنوات السبعين مع أخيه، عمّه وجدّيه،
 يبقى كارل أوفه كناوسغارد جالسًا، يتموضع للكاميرا.

تغيّر هذا الوضع في سنوات الثمانين والتسعين. لقد تمّ تشييع قانون يانتي رسميًّا، فقد تلفّظ رئيس الوزراء النرويجيّ غرو هارلِم برِوندتلاند، قبل بدء الألعاب الأولمبيّة الشتوية في ليلهامر عام 1994، بكلماته المُرتجلة: "أن تكون جيّدًا، فهذا نرويجيٌّ تمامًا". بينما كانت تسود احتفالاتِ نهاية الفصل في مدرستي التراتيلُ والجدّيّةُ، لا تمثّل فعاليّات ابنتي شيئًا مثلما تمثّل تجارب الأداء ]في سلسلة برامج[ "آيدل Idol". يعزف التلاميذ ويغنون أغانيهم الخاصّة، فينفجر الجمهور تصفيقًا لهم. يتمّ إعطاء الطلاب الموهوبين اهتمامًا خاصًّا، الأمر الذي لم يكن واردًا قبل ثلاثين عامًا، ووسط كلّ هذه الإثارة، فإن آخر ما تبقى من مجتمع يانتي - تذكير القسّ بأنّ الشهرة والثروة عديمتا الأهمّية في جوهريهما – قد استحالَ غبارًا.

أنت ذو شأن. بإمكانك فعل الكثير. يهتمّ الجميع لأمرك. أليس هذا ما يحاول الجميع إيصاله لأطفالهم؟

بالطبع، لكن هذه الرسائل ليست بالضرورة ما كانت الأجيال السابقة ترفضه. تضمّن قانون يانتي أيضًا مثالًا ideal للتضامن. في نموذج الرفاهية الاسنكدنافي، كما تشكّل في الأعوام اللاحقة للحرب العالمية الثانية، فإنّ الأخلاق البروتستانتية: اعمل بجدّ؛ كُن مُقتصدًا؛ لا تُقدّم نفسك على الآخرين، إذا اتّحدت مع فكرة الحركة العمّالية القائلة "واحدٌ منّا"، يصيران معًا أكثر أهمّيّة من كونك شخصًا مميزًا. كانت النتيجة في النرويج هي رعاية صحّيّة وتعليم على مستوى عالمي، تلفزيون وإذاعة عموميّين، شبكة سكّة حديد واتّصالات عموميّين، تسكين housing وزراعة مدعومتين من الدولة، واعتقاد رسّخته الدولة أنّ لا أحد أفضل من أحد. في المدارس، لا يُقيّم الطلبة بالعلامت حتّى يبلغوا الثالثة عشرة. من حقّ الجميع، وبالأخص الأطفال، أن يتمّ التعامل معهم بسويّة.

ومع ذلك، أو ربّما لهذه الأسباب تحديدًا، أبقى مستيقظًا في الليل، محاطًا بسنوات السبعين أنّى تقلّبت، حالمًا بأن أصير مشهورًا. في البدء أردتُ أن أصير نجم كرة قدم، لاحقًا نجم روك. كنت عديم الموهبة في كرة القدم، كما أنّني عاجز على العزف على أيّة آلة بمقدار عجزي عن الغناء، لكنّ رغبتي لم تتزعزع لهذه الأسباب، فقد كانت جبّارة. حاولتُ الحصول على الأدوار الأولى في جميع المسرحيّات أيّام المدرسة، كما أرسلتُ مرّة إلى مذيع في التلفزيون العام أطلب المشاركة مع نجم الروك إيجَه أليكساندرسِن في سلسلة كانت تجمع المشاهدين مع النجوم. لم أخبر أحدًا بهذه الواقعة. لو اكتشف والديّ أو أصدقائي ذلك، لتمّت إدانتي. في الحقيقة، لم يحصل أن أخبرتُ أحدًا عن هذا الإطلاق. ما تزال تُشعرني بالخجل.

ما الذي يجعلني أملك مثل هذه الرغبة العظيمة بأن أكون مختلفًا؟ ما الذي يجعلني أرغب في أن يراني الجميع؟ هل كنت أعتقد أنّني أفضل منهم؟ في الحقيقة لا، بل على العكس: لقد كنتُ نكرة، ولعلّ فرصتي الوحيدة لأكون أحدًا، كما يبدو، في أن أصير مشهورًا، لا يهمّ في أيّ مجال. عالمٌ مشهور، لاعب كرة قدمٍ مشهور، موسيقي روك مشهور، رسّام مشهور، كاتبٌ مشهور. مشهور، مشهور، مشهور؛ كانت تلك الطريقة الوحيدة لأنتقل من كوني لا أحد إلى كوني أحدًا.

هذه هي العواطف القوية. إذا لم تكن متجذرة في الذات، يتم تحديد الهوية من قبل عوامل خارجية، والتي قد ينتهي بها الحال لتصير قوًى حاسمة ومسيطرة. الرغبة في الشهرة هي أوّلًا وقبل كلّ شيء، ولعلّها ليست أكثر من هذا، رغبة طفوليّة. بالنسبة لمعظم الناس، فإن العثور على الطريقة للتعامل مع الشهرة – أن تُقدّم احتياجات الناس على احتياجاتك – هو جزءٌ من انتقالك لمرحلة البلوغ. بالنسبة لبعض الناس، تظلّ ]الرغبة[ خارج السيطرة.

تمّ نشرُ كتاب أوسنه سايرشتاد حول القاتل الجماعي آندِرش بيهرِنغ برايفِك الخريف الماضي في الدول الاسكندنافية. برايفِك هو الرجل الذي ذبح عشرات من الشباب في جزيرة أوتويا، بالقرب من أوسلو، قُبيل ثلاث سنوات تقريبًا. العنوان النرويجي للكتاب هو "En Av Oss" أي "واحدٌ منّا – One of Us"، لأنّ برايفِك بدا، بطرقٍ عدّة، عاديٌّ جدًا: شاب من الطبقة الوسطى أقام في دولة رفاهٍ على تخوم أوروبا. الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في سرد سايرشتاد هو وصفها لطريق برايفِك نحو التطرّف والإرهاب: تمنّي برايفِك على الدوام أن يُرى دون أن يجني سوى النسيان، التجاهل، الإهمال؛ كيف بات معزولًا أكثر فأكثر حتّى بقي وحيدًا في النهاية في غرفة، أمام شاشة، يلعب World of Warcraft بشكلٍ متواصل على مدار سنة. إنّه لا أحد، وأن تكون لا أحد يعني أنّك ميّت، وحين تكون ميتًا، تصيرُ متجاوزًا كلّ شيء. ليس ثمّة ما يمكن خسارته؛ كلّ شيءٍ مباح. قتل برايفِك 77 شخصًا في ذلك اليوم حتّى تتمَّ رؤيته. لم يعد هنالك فرقٌ كيفَ يُرى. لقد كان بطلًا بعيني نفسه، مُحرّرًا، الشخص المختار.

يتمّ انتقاد هذا النوع من المقاربة النفسية دائمًا لتقليلها من الجوانب الإيديولوجية والسياسية لما فعله برايفِك، واستخفافها بكراهية الإسلام والأجانب التي أفصحت جريمته عنها. لكنّ الإيديولوجيا مجرّد شكل، إطارٌ لا بُدّ من ملئه بالمشاعر ليكتسب قوّة تدفعه على الفعل. ثمّة تمهيدٌ واضحٌ لجرائم القتل في أوتويا ألا وهو مذابح المدارس التي حدثت في العقود الأخيرة، في الولايات المتّحدة بالدرجة الأولى، لكن أيضًا في بريطانيا، فنلندا، ألمانيا وبعض الدول الأخرى. كان الجُناة في الغالب صِغارًا، كما كان أغلبهم، بطريقة أو بأخرى، معزولين، وحيدين ومنفيّين. ما إن تُوجَد أفعالٌ كهذه في العالم، فمن المُرجّح أن يُعادَ وجودها. اليوم، تنتشر صورُ هذه الأحداث على الفور. بالنسبة لشخصٍ ما، في مكانٍ ما، تخلق ]تلك الصور[ إمكانيّة. لم يكن من الممكن التفكير بوقوع مجزرة أوتويا في النرويج سنوات الخمسين.





كناوسغارد خارج استوديو عمله في Glemmingebro، السويد - Robi Rodriguez





أن ترى أطفالَك يقفون أمام المرآة، يغنّون ويحلمون أن يظهروا في التلفزيون، فهي مسألة مختلفة تمامًا عن مسألة برايفِك. إنّها لمسألة بالغة العِظَم أن تُرى، لكن الحاجة في أن يراك الجميع، وهي ليست إلّا خيالًا طفوليًا، تصير غير طبيعيّة حين تواصل وجودها بعد ]سِنّ[ الرُّشد. هذا يعني أنّ شيئًا ما غير متوازنٍ. إنّه أمرٌ بَدَهيّ، بما أنّ التناغم لا يخلق أيّ شيء. ]بل[ لا يحتاج أن يخلق شيئًا. إنّ فقدان التوازن وتنافر النغم هما اللذان يولّدان القوّة التي تدفع برجلٍ في سنوات الستّين ليقف على المسرح عازفًا على قيثاره مُغنّيًا لساعات كلَّ ليلة، في بلدٍ تلو البلد، ]ليسمع[ هُتاف الجماهير. "كراهية الذات"؛ ذلك ما قدّمه بروس سبرنغستين بوصفه المفتاحَ في مقابلة مع النيو يوركر. لا أعتقد أنّ هذا ينطبق عليه وحده؛ فالأمر نفسه ينطبق على العديد من أولئك الذين يقفون في دائرة الضوء. كراهية الذّات هي المحرّك؛ الشّهرة هي الوقود.

بالنسبة لي، فقد التصقت بحلم الشهرة طوال سني مراهقتي. حين بدأت سنوات العشرين، أردتُ أن أصير كاتبًا مشهورًا. لم تُشكّل الكيفيّة فرقًا؛ منت على استعداد لكتابة أيّ شيء لأبلغ ما أريد. في مقابلة محرجة للغاية أجريتُها لإذاعة طلّابيّة بينما كنت أدرس الكتابة الإبداعية حين كنت في العشرين من عمري، قارنتُ نفسي، بكلّ جدّيّة، بـ ]كنوت[ هامسون و]إرنست[ همنغواي. هذه الطفوليّة التي كان عليها أن تبرُز، الأمر الذي يصير أقبح وأكثر إثارة للشفقة كلّما كَبُرت، والتي، بناءً على ما كتبتُ حدّ الآن، لا تحتاج إلى محلّل نفسيّ لتُدرك أنّها تغذّت على ]الإحساس[ بالخجل وكراهية الذات، التقت فجأة بنقيضها، ما اكتشفته حين بدأتُ كتابة روايتي الأولى أنّ بإمكاني الاختفاء داخل كتابتي. الذات، وكلّ الصعوبات والآلام المُرتبطة بها، اختفت. لطالما اختفيت حين كنتُ أقرأ؛ كانت هذا تقريبًا غاية القراءة لديّ، ألّا تكون أحدًا لبضع ساعات. الآن تحقّق ذلك أثناء كتابتي. أن تختفي بهذا المعنى، أن تدخل حالة نكران للذات، هو أمرٌ أؤمن أنّ كلّ موسيقيّ، رسّام، ممثّل، مُخرج وكاتب يعرفه. إنّه أمرٌ كامنٌ في جوهر الخلق ذاته. على خلاف أيّ وسيطٍ آخر، بإمكان الأدب أن يكسر الحدود التي أقامها المُجتمع. إنّه يتحدّث بصوتٍ متأثّرٍ بأصوات كل الأوقات والآداب الأخرى. المفارقة هي أنّ الشهرة، التي ]ما تفتأ[ تؤكّد على الفرد، وثيقة الارتباط بنكران الذات، بما هو عليه منطمس للذات؛ فالرغبة بأن تُرى وثيقة الارتباط بمتعة إخفاء الذات.

نشرتُ كتابًا، قبل عدّة سنوات، خلق صخبًا في النرويج. فجأة بات وجهي يتربّع صفحات الجرائد الأولى، وقد دُعيتُ إلى كلّ برامج التلفزيون الحواريّة في البلاد. تربيتي على ما كانت عليه في سنوات السبعين، غرست في نخاعي العظمي تحذيرًا بأن أتجنّب التفكير بكوني مميّزًا على الإطلاق – وقد ارتبط هذا لا محالة مع حاجة الطفل البالغ بأن يُرى -. لقد تفاعلتُ مع شهرتي الحديثة بخجل وقنوط من كجهة وبإدمانٍ عليها من جهة أخرى، مثل مدمن على المخدّرات تقريبًا. ما زلت أعاني من هذا الإحساس بالخجل لدرجة لا أستطيع معها أن أحمل نفسي على ذكر ما حدث – وجهي على صفحات الجرائد الأولى، وجهي في التلفزيون – لأنّني، إذا ذكرتُ ذلك، ]كأنّني[ أقول: "لقد صرتُ أحدًا، انظر لي!" لكن هذا ما أفكّر فيه فعلًا. لقد صرتُ أحدًا، انظر لي. وفي الوقت نفسه، يخبرني شيءٌ آخر بالعكس: أنت لا أحد. لماذا تعتقد أنّك ]صرتَ أحدًا[؟ وهي فكرة جيّدة. إنّها فكرة أحتفظ بها ليس لأنّني مازوشي، بل لأنني واقعيّ. إنّها الشيء الوحيد الذي يمكّنني من الاستمرار في الكتابة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*): المقال مترجمٌ عن جريدة النيويورك تايمز. عنوانه بالإنجليزية "I Am Somoene, Look at Me"، وقد ترجمه إنغفيلد بوركيه INGVILD BURKEY بدوره عن النرويجيّة.