‏إظهار الرسائل ذات التسميات سينما. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سينما. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 27 مايو 2016

"وحده الله يغفر"؛ أوديب مرتديًا سترة

        
          ينطلق Only God Forgives، الفيلم التاسع للمخرج الدنماركي نيكولاس فيندينغ رِفن، من حكاية تبدو بسيطة للغاية. شاب أمريكي في تايلند، يملك نادٍ للملاكمة ويدير شبكة تجارة للمخدرات (ريان غوسلينغ بدور جوليان). يُقتل أخاه بيلي (توم بيرك) بتحريض من ضابط شرطة تايلندي بعد اغتصاب بيلي لفتاة في السادسة عشر من عمرها. لتبدأ حكاية الانتقام مدفوعة برغبة عارمة لإراقة الدماء من قبل والدة جوليان وبيلي.

          لكن هذه ليست الحكاية فيما أعتقد، أو للدّقة هي واجهة لقصّة أخرى أكبر وأكثر عمقًا. لا تعكس الأشياء هنا معناها الأوّل والظاهر، فرِفن حرص هنا كرجلٍ مهووس بأن لا يتم فهمه على نحوٍ خاطئ، بوضع إشاراتٍ لما أراد قوله، أو أقلّها لأحد الأوجه التي يمكن قراءة العمل من خلالها. يبدو لي أنّ العلاقة الأهم في الفيلم هي علاقة جوليان بأمّه كريستال (كريستين سكوت توماس). علاقة الاثنين غير سويّة، تقول مرّة: "أقسم أنني، في بعض الأحيان، أعتقد أنّ جوليان يكره بيلي. ربّما الكره ليست الكلمة المناسبة، لكنّه دائمًا ما كان يغار منه. أنتِ تعرفين تصرّفات الصِّبية يا "ماي"؛ التنافس. بيلي كان دومًا الأخ الأكبر ومن يملك قضيبًا أكبر. لم يكن قضيب جوليان صغيرًا أبدًا، أمّا بيلي، أوه، لقد كان بالغ الضخامة." كل شيء هنا يحيل إلى قصّة أوديب ملك طيبة في الميثولوجيا الإغريقيّة، الذي أنفذ نبوءة تقول بأنّه سيقتلُ أباه ويتزوّج أمّه، وحين أتمّ ذلك دون معرفته بهويّتهما (في هذا تفصيل أكثر)1 يفقأ عينيه ليحيا كفيفًا منفيًا ما بقي من عمره.

          عناصر القصّة تتوفّر هنا، بزيادة أو نقصان. قرب نهاية الفيلم، تخبر كريستال رجل شرطة تايلندي بأنّ جوليان رجل خطير، فقد قتل أباه وفرّ إلى تايلند. تبدو المعلومة خارجة عن السياق، غير متّسقة مع نسق رِفن الإخراجي، فهو يُري المشاهدين أكثر ممّا يقول. لا مجال لتأطير هذه المعلومة في سياقٍ آخر سوى قصّة أوديب. يبدو الأمر فجًا ومباشرًا بعض الشيء، فالقصّة لم تكن بحاجة لإضافة شخصيّة خارجيّة لتكمل أركانها، إذ كان بالإمكان الاستعاضة عن الأب بالأخ الأكبر خاصّة مع ملاحظة أنّ رِفن حاولَ ربط الدافع الجنسي (الفرويدي) بالقصّة بإشارة كريستال إلى كبر قضيب بيلي. علامة أخرى تأتي قرب نهاية الشريط، تشير إلى أوديب أيضًا تتمحور حول العينين. بعد أن يتواجه جوليان مع قاتلِ أخيه، تتورّم عيناه في صورة توحي بانطفاء الرؤيا أمامه. لم يتبيّن أوديب الحقيقة مبكرًا، ففقأ عيناه بيديه. أمّا جوليان لم يُرد أن يراها من الأساس، فكان لا بدّ من طرفٍ خارجيّ يساعده على القيام بما لم يستطع القيام به؛ محاولة غلق عينيه.

(إلى اليمين الممثل الهولندي لويس بوميستر في دور أوديب عن مسرحيّة سوفوكليس (أوديب ملكًا). إلى اليسار ريان غوسلينغ في دور جوليان في Only God Forgives).

***

          تنقلب المفاهيم هنا، فكما قلت أنّ الأشياء لا تعكس هنا معناها الظاهر. يصبح الله المذكور في عنوان الفيلم (Only God Forgives) معادلًا للأم (أو لسلطتها)، والمغفرة هنا ليست مغفرة الضحيّة التي تنتظر من ينتقمُ لها، بل هو الغفران المنتظر من رضا الأم عن ولدها العاق. وإن كان العنوان يشير إلى أنّ الله وحده يمنح المغفرة، فإنّنا نجدُ انعكاس هذا في الفيلم، فالبشر، وإن علوا، يبقون آلهة غير متحقّقة، تتنازعهم العديد من الرغبات، لكن لا يبدو أنّ الغفران أحدها.

          نيكولاس فيندينغ رِفن، كما العادة، يستعرض عضلاتِه في استخدام الصورة لتكمل فراغات مقصودة في الحكاية، يساعده على ذلك أحد ممثّليه الأثيرين؛ ريان غوسلينغ. فغوسلينغ يوهم وجهه بسهولة بأنّه مترفّعٌ عمّا تنزلق يداه للقيام به من وحشيّة. وجهه محايد (Neutral) يقع خارج اللحظة، في مكانٍ آخر لا معنى فيه للصواب والخطأ. لكنّ وجهه، كما في الفيلم السابق لرِفن (Drive)، وجهٌ مركّب، قناعٌ تعلوه مسحة خفيفة تكاد لا تلحظ من الحزن، كأنّما يرفع علامة استفهامٍ في وجه المقولة التي تصارع لكي تثبت وجودها في الفيلم: هل يمكن أن نفصل بين الفعل والدافع إليه؟ بمعنى آخر، هي يمكننا القول هنا أنّه لا خطيئة في الانتقام، طالما سيقود إلى كسب رضا الله/الأم؟ (ويمكن هنا استبدال الانتقام بدوافع أخرى).

          هناك غضبٌ مكتوم، يتكثّف بشدّة مع الكوادر التي يطغى عليها اللون الأحمر والستائر التي تخفي خلفها بائعات الهوى. بائعات الهوى هنا هنّ النموذج الآخر للمرأة في قصّة جوليان، منفذٌ خاطئ لغضبٍ كان يفترض به أن يصوّب تجاه الأم. لكنّهن لم يوجدن عبثًا أو لمجرّد إفراغ الغضب بهنّ، فلو افترضنا عدم وجودهن مثلاً - ماي خاصّة – فسنكون أمام ثنائية وحيدة ليس فيها إلّا جوليان وأمّه، من ثمّ يصير الكلام الزاعم بأنّ الحزن البادي على وجهه هو رفضٌ غير مصرّحٍ به لخياراتها، الأخلاقيّة خاصّة، بلا دليلٍ ملموس يسنده. 

          يمدّ ريفن الصراع القائم بين الدولة ممثلة بتشانغ الضابط الفاسد، وعائلة كريستال العاملة في تجارة المخدرات ممثلة بوريثها جوليان، إلى آخر الخطّ معيدًا إياه إلى حالة من الحيوانية ممثّلة بالصراع بالأيدي والأرجل. تتعايش هذه الثنائية (السلطة الفاسدة & العائلات/العصابات)  عادة بلا مشكلات كبيرة، حتّى ينكسر العرف الذي تقوم عليه مثل هذه العلاقة. فوجود مثل هذه العائلات ينطوي في أساسه على حالة من الإنكار/التماهي تمارسها  السلطة لتحافظ على قدرٍ من الإحساس بالتفوّق والسيطرة طالما لم تتضارب المصالح ومناطق النفوذ. لكن في اللحظة التي اغتصب فيها بيلي فتاة قاصر في السادسة عشر من عمرها، تنفرط حالة الإنكار تلك جارفة معها، ككرة الثلج، كلّ تبعات الماضي المسكوت عنه.

***

          يظل Only God Forgives فيلمًا مذهلًا بصريًا. فالمخرج الدنماركي، وإن كان ينطلق من أفكار بدائية كما يقول، لا يتنازل في أيّ من أفلامه عن مستوى معيّنٍ من جودة الصورة يكرّسه كأحد أهم الشكلانيين في السينما الحديثة. زوايا التصوير، الكوادر داخل الكوادر، الإضاءة القاتمة المطعّمة باللون الأحمر، ومحاولته استخدام الألوان وأماكن التصوير كمرآة تنعكس عليها مزاجات الشخصيات. كلّ هذا ما ينفكّ يتكرّر كلازمة في أفلامه.


          قوبل Only God Forgives بصيحات استهجان حين عرض في مهرجان كان 2013، قابلها المخرج في إحدى الحوارات بقوله "أوه، كول". ليوضّح نفسه من بعد "من جهة أنت ترمي ما فعلت في أوجه الناس وفي نفس الوقت تقول لهم: أحبوني، من فضلكم. لا بدّ أن تتعرض لهذا. الفن العظيم – ما أفظع قول هذا - معنيّ بأن ينقسم الناس حوله، لأنّه إن لم يفعل لن يخترقك، وإن لم يخترقك يصبح عرضة للاستهلاك لا أكثر"2. بعيدًا عن وصفِ رِفن لما يقوم به بالفن العظيم (إن كان يقصد التخصيص في كلامه)، فإنّ قوله بأنّ أفلامه تقسم الناس حولها فهو يعبّر بصدق عن حقيقة أفلامه؛ إمّا أن تحبّها أو تكرهها، لا حلول وسط معها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




الاثنين، 26 أكتوبر 2015

رحلة القبض على المعنى؛ من الشاقّ إلى الأشقّ


Ryan Chang - Melancholia

           لم أختبر مرّة رغبةً شديدة بالكتابة عن شيء أكثر من مرّة. لياقة دماغي لا تسمح لي بطرحِ الكثير من الأسئلة. عدا عن ذلك، فعيناي لا تريان ما خلف الجدران. قرأتُ مرّة كلامًا لإحدى محكّمات جائزة المان بوكر الإنجليزيّة، تقول فيه: "وقد تناقشنا خلال لقاءاتنا في حقيقة أن مسألة التحكيم هذه تطلب من الكتب شيئًا هي غير مصممة لتلبيته: وهو أن تُقرأ ثلاث مرات متتالية"(1). صدمتُ حين قرأت الكلام؛ كيف يمكن لعملٍ ما أن يعاد قراءته ثلاث مرّات في فترة قياسيّة ولا يفقد توهّجه؟. يبدو الأمر، إن أمعنّا النظر أبعد من مجرّد ثلاث قراءات. فالقراءة في تأويلٍ مغايرٍ قد تعني مدى تركيب العمل، وقدرته على توليد المعنى من الهامش، والهامش من المعنى. فالعمل الذي يقول كلّ ما عنده دفعةً واحدة سيزول تأثيره بسرعة بوحه بما لديه.


***

           كنتُ أشاهدُ فيلم Melancholia، ومع كلّ لحظة يتقدّم فيها الشريطُ خطوة، تخترق ذاكرتي صورٌ مشتّتة من فيلم الجمال العظيم (La Grande Bellezza)؛ سبق وكتبتُ عن الفيلم مرّة ونشرتُ ما كتبت، من ثمّ عدتُ وشاهدت الفيلم مجددًا لتصيبني حكّة غريبة تدفعني لاستنزاف روحي في الكتابة عنه. كنت سأفرد مقالًا حول ترجمة العنوان وحده، من ثمّ مقالٌ آخر حول معنى الجمال في نظر سورنتينو (ونظري أيضًا؟)... إلى آخره. لكنّ الشعور بعبثيّة الفعل أودى بمخططّي إلى النّسيان (ما زال ظهري يحكّني كلّما فكّرت في تلك الوقعة).الآن، وأنا أطالع Melancholia، الفيلم الذي يحفر عميقًا في محاولة القبض على معنى الكآبة، أشعر بالعزاء بدلًا من سورنتينو، وبأنّ يدًا تربّت على كتفي وتقول: لا بأس، ما زال هناك من يحاول أن يفهم كيف أخرج الساحر الأرنب من فم القبّعة. لذا قرّرت أخيرًا قطف رغبتي، والكتابة مجددًا.
 
           الموسيقى؛ الأوبرا؛ الملابس الأنيقة؛ الجنس؛ زهو الألوان؛ نهر التيبر؛ روما.. كلّ هذا جميل، لكن كيف، وفي أيّ نقطة يمكننا أن ندرك ذلك؟ في المقابل: محاولات القولبة؛ الطقوس الاجتماعيّة؛ مؤسّسة الأسرة؛ عدم فهم العالم لما يجري في رؤوسنا؛ وقع انتهاء العالم.. كلّ هذا كئيب وسوداوي. لكن ما هي الكآبة تحديدًا؟ هل هي وجهٌ جامدٌ في وجه العاصفة؟ "صراخٌ في ليلٍ طويل"؟(2) أم ماذا؟. لا مراء بأنّ السّؤالين كبيران، وأنّ مجرّد التفكير في القبض على شيء أشبه بالهواء، أقلّ ردّ فعلٍ عليه أن يوضع بين قوسين، لكن "قد بدا لي أنّه مع أنّنا لا نجد إجاباتٍ لتلك الأسئلة الأساسيّة إلّا أنّ من الأفضل لنا أن نسألها على أيّة حال...". (3)

           تختلف المعالجة، فلكلٍ طريقٌ يمّم وجهه شطره. في "الجمال العظيم"، في بحثه الدؤوب (المتنكَّر له) عن الجمال، يأخذ جيب غامبرديلّا الطريق الأطول، حياة اللّهو لا الجدّ. في ظنّي أنّ العنوان يقول الكثير، بين ترجمته إلى "الجمال العظيم" و"الجمال الباهر" أميل إلى الثانية أكثر. ففعل الانبهار يحيل إلى فركٍ للأعين إزاء ضوءٍ مباغتٍ وقويٍّ. وكذا الأمر أثناء مواجهتنا للجمال (أكبر مخاوفنا؟)، فإمّا أن نواجهه معرّضين أنفسنا للعمى، للاندثار (مات السّائح الياباني وهو ينظر إلى روما تتزيّا بأبهى حللها)، أو ربّما الخلود. في المقابل يمكن أن نلتفّ حوله، ظانّين أنّنا نقبض على شيء ما "أردتُ أن أكون القوّة التي تجعل منها إخفاقًا ]يقصد حياة الليل والتّرف["(4). الصّباح بما يحيلُ إليه من وضوحٍ في الرؤية، والطريق معلوم المسالك "كائن غير معروفٍ بالنسبة لي"(4) يقول جيب. ينتهي الفيلم ويظلّ الكادر ملتقطًا صورة نهر التّيبر يجري بلا توقّف، قد يكون متجهمًا لكنّه شقّ لنفسه طريقًا تلحظه أعين الآخرين. إنّها رحلة طويلة، سواء كانت رحلة جيب أم رحلة باولو سورنتينو ذاته التي أوصلته ليقدّم لنا هذا العمل. رحلة من البحث عن لا شيء و/أو كلّ شيء.

***

           لارس فون تيرير بدوره، ينطلق من تجربة ذاتيّة في محاربة الكآبة، معولمًا إيّاها إن جاز التعبير، لتصير حدثًا جللًا يهدّد الكرة الأرضيّة. في غمرة احتفال "جوستين" بزفافها، تلحظ اختفاء النجم الأحمر أنتاريس من مجموعة العقرب، يبان في الشّقّ الثاني من الفيلم أنّ سبب اختفائه هو ظهور كوكبٍ كبير يدعى "ميلانخوليا" كان مختبئًا وراء الشّمس ويهدّد الآن بالاصطدام بالأرض.

           بداية وقبل أن نغوص في الوحل، لماذا ميلانخوليا (Melancholia) لا كآبة (Depression)؟ يقول القاموس بأنّ الميلانخوليا هي الأسى، أو الانغماس (ومرادفاتها) في الكآبة. فون تيرير يحاول أن يصل إلى تلك النقطة السوداء في أرواحنا التي تفرش ظلالها كملاكٍ مطرود على كلّ ما حولها. من المعاني التي يمكن أن نضطلع عليها للميلانخوليا أيضًا (saturnine) أي زحليّ (نسبة إلى كوكب زحل) الّتي تحمل معنى "كئيب المزاج" أيضًا. لا يبدو إذن اعتباطيًا قرار "تشييء" الميلانخوليا (إن جاز التعبير) على شكل كوكبٍ عملاق.(5)

           في الأسطورة اليونانيّة، يهمّ أوريون رفقة صاحبتيه أرتيمس وليتو بغزو كريت، مهدّدًا بقتل كلّ وحشٍ هناك على الأرض، لكنّ الأرض ترسل له عقربًا ضخمًا يرديه صريعًا. وعلى أعقاب ذلك، يقرّر زيوس أن يجعل قلّة رجولته تلك عبرة لمن بعده، فيضعه والعقرب معه بين النجوم. كوكب "ميلانخوليا" يبدو هنا كما لو أنّه أوريون قد جاء لينتقم من "وحوش الأرض" الّتي سبّبت هلاكه.(6)

           ليس لارس فون تيرير أوّل من يطرح شكلًا لنهاية العالم، لكنّه يبدو أوّل من تخيّل أنّ فناءنا سيكون على شكلِ كآبة هائلة بحجم كوكبٍ ستلتهمنا. ليس هذا وحسب، إنّ بعض شخصيّاته تفزع أمام الكارثة، لكنّ هذا الفزع لن يغيّر من إمكانيّة تحقّقها، وإن كان بوسعنا فعلُ شيءٍ ما هو أن نتقبّل اللامعنى هذا كواقعٍ سيرتطمُ بنا لا محالة!، بل ربّما كخلاصٍ من هذه "الأرض الشّريرة" كما أسمتها جوستين. 

" - كل ما أعرفه أنّ العيش على الأرض هو شرّ.

- قد يكون ثمّة حياة في مكانٍ آخر.

- في الحقيقة لا يوجد شيء كهذا.

- وكيف تعرفين ذلك؟

- لأنني أعرف بعض الأشياء.

- آه، لطالما اعتقدتِ بأنك تعرفين.

- أعرف بأننا وحيدون.

- لا أعتقد أنّك تعرفين شيئًا عن هذا على الإطلاق."(7)

***

يقول كونديرا في كتابه فنّ الرّواية: "إنّ الرّواية الّتي لا تكتشف جزءًا من الوجود ما يزال مجهولًا هي رواية لا أخلاقيّة. إنّ المعرفة هي أخلاقيّة الرواية الوحيدة."(8) لا أملك جسارة كونديرا لأقول إنّ "المعرفة هي أخلاقيّة السينما الوحيدة". لكنّني أملك أن أقول أنّ مخرجين كهؤلاء، في محاولاتهم للقبض على معنًى أكثر سيولةً من أن يمسك، يعيدون صوغ مفاهيمنا حول العالم، وإن كان طريقهم يمضي دومًا من الشّاقّ إلى الأشقّ.

Ryan Chang - Melancholia


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


(2): عنوان رواية لجبرا إبراهيم جبرا.

(3): اسطنبول – أورهان باموق – الانتشار العربي - ص475.

(4): من الفيلم (La Grande Bellezza - 2013).



(7): من الفيلم (Melancholia – 2011).

(8): فنّ الرّواية – ميلان كونديرا – دار الأهالي – ص13.












السبت، 18 يوليو 2015

الحبّ، قدرٌ يتربّص خلف الباب

          يطرح المخرج التركي زكي ديميركوبوز بفيلمه "قدر / Kader" (2006) سؤال الحب مجددًا، فاتحًا به دفاتر قديمة قدم التاريخ عينه. قد يكون الفارق بين إبداع شيء جديد والاجترار، هو زاوية نظر. بورخيس كان يعتقد أن ليس ثمّة سوى اثنتي عشرة استعارة في هذا العالم (تشبيه الزمن بالنهر الجاري إحدى هذه الاستعارات)(1)، لكنّنا ما نفتأ نقرأ استعاراتٍ أخرى للزمن (ودخلنا في سباقٍ غير متكافئ مع الزمن الذي يقود مركبته الفضائية بأقصى سرعة. وصرنا نستمهله: أيها الزمن انتظرنا! فلنا موعد بعد شهر، فلا تسرع) (2) على سبيل المثال. قد لا يعني هذا أن بورخيس على خطأ بقدرِ ما يعني أنّ الحياة ليست ذاتها في كلّ المناظير.

          ما الحب، أو ما الذي يعنيه أن نقع في الحب هذه الأيام؟ تسوّق القنوات الإعلامية التلفزيونية منها والإلكترونيّة لمفهومٍ استهلاكيّ للحب. تنطبع صورة ما في المخيال الجمعي للفتاة المرغوبة، فهي حتمًا طويلة، شقراء، ممشوقة القوام. أو بالمقابل،  فإنّ الشّاب منفوخ العضلات، أسنانه بيضاء، قد يملك لحية أو لا (هذه تفصيلة مختلف عليها). لكنّ الحياة في مكانٍ آخر غير الذي نراه في التلفزيون أو على الإنترنت، ولا تملك صكوكًا تبيعها للغافلين منّا. لذا فإنّ للحبّ مقاييس أكثر غرابة من أن يتمّ قياسها سلفًا، فهو ينزل كالقدر بلا مفرٍ منه، كما يقترح زكي ديموركوبوز.

          "بيكير" شاب وحيدٌ لأهله، يعمل في محلّ أبيه لبيع السّجّاد. في ظهيرة يومٍ ما، يغطّ نائمًا في المحلّ، ليستيقظ على وقع حركة زبونة "أور" تتفتّل في المحلّ. يقترح ماريو فارغاس يوسّا شكل الشاب الذي يقع في الحبّ مثل عجل، كأشد الطرق رومانسية للوقوع في الحبّ. "بيكير" وقع تمامًا كعجلٍ في حبّها، ومن النظرة الأولى. هل لنا أن نعدّها مصادفة أن لا تبادله "أور" الحب، أو أن تحبّ شخصًا آخر عليه؟ هل يعدّ كون الشاب الذي تحبّه مجرمًا (أقلّ أخلاقية من بيكير) تفصيلة شاذة؟ 

          يشيع بين الناس المثل القائل "القط بحب خناقه". بعيدًا عن المعنى العامّ والواضح للمثل، قد نستطيع استنطاقه لنقول أنّ العاشق قد يزداد ارتباطه - بلا تفسيرٍ منطقيّ - بمن يعتقد بصعوبة إقامة علاقة حبٍ حقيقيّة معه. "كا" في رواية أورهان باموق "ثلج" أحبّ "إبيك" وهو يعلم كمّ الحزن الذي يمليه عليه هذا الحبّ. "تيريزا" في "كائن لا تحتمل خفته" أصرّت على حبّ "توماس" رغم خياناته التي لا تحصى. لكن ورغم كون "الحبُّ خطوات حزينة في القلب"(3) إلّا أنّه يظلّ "موتكَ المشتهى" (4). فكما لم تصب رصاصتان مقتلًا من "بيكير"، فقد رضي لنفسه أن ينتحر على بابِ "أور".

          لا شكّ أنّ هذا العالم شهد قصصًا لا تحصى من الحبّ، ما الذي قد يجعله يلتفت لقصّة "بيكير" و "أور"؟ لعلّ السّمة الأبرز في هذه العلاقة هو ثقل دم الأبطال، المقصود. يعجّ تاريخ الأدب والسينما بعشّاق يسهل التورّط بحبّهم والوقوف في صفّهم. لكنّ الأمر ليس على ذات الشاكلة، حين نتابع عاشقًا حاله كحال من "يقولُ لِيَ الواشونَ ليلَى قَصِــــيرةٌ ... فليتَ ذِراعًا عرضُ ليلى وطولها"، إذ لا مفرّ من القربِ من محبوبته إلّا القرب.

          حين ملّت "أور" من "بيكير" وملاحقته إيّاها، سألته:

"-          ماذا تريد؟ إلى أين سيأخذنا هذا؟
-          إلى أي شيء
-          ماذا تعني بأي شيء؟
-          لا أستطيع فعلها بدونك."

          صحيحٌ أنه "إذا كان الحبّ حبًا.. فإن الزمن كلمة حمقاء"(5) لكن لا مندوحة لنا عن الاستعانة بالزمن كاختبارٍ لصدقِ الحبّ. فبه وحده يسقط من يسقط، ويقف من يقف في وجه الرّيح. بينيامين إسبوزيتو (بطل فيلم The Secret in Their Eyes) ما كان له أن يؤمن بمشاعره، حين نظر في عينيّ إيرين أخيرًا، دون أن يزيح عشرين عامًا من عمره عن كاهليه، دفعها ثمنًا لتردّده. وكذا "بيكير" إذ نعلم حقيقة أنّه أحبّ "أور"، لكنّ حبّه هذا ما كان ليصير كبيرًا لولا أنّ الزّمان استحال عنده إلى شيء مبهم، لا يمكن الإمساك به، كـ"أي شيء".

          يورّطنا زكي ديموركوبوز في محكّ أخلاقيّ في فيلمه هذا؛ "بيكير" يهجر عائلته ملاحقًا أملًا كاذبًا بالحبّ. لكنّه، في الوقت ذاته يعنون فيلمه بالقدر، كأنّما يجنّب "بيكير" مسؤولية أفعاله. قد يكون الحبّ خطيئة، كما يمكن لعائلة "بيكير" أن تسمّي ما فعله ابنها بهم، لكنّه ربما الخطيئة التي يتساوى عندها جميع العشّاق والعاشقات، السيّء منهم قبل الجيّد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): بورخيس – صنعة الشّعر.
(2): محمود درويش – في حضرة الغياب.
(3): محمد الماغوط –  سرير تحت المطر.
(4): محمود درويش – درس من كاما سوطرا.
(5): من رسائل فروغ فرخ زاد.


الأحد، 14 سبتمبر 2014

البحث عن الجمال في "La Grande Bellezza"

          حين أنظر إلى لوحة كلاسيكية، وأعجب بها، لا أجد صعوبة في معرفة السبب. لعلّ الكلاسيكيّة بما تحيل إليه من زمن ماضٍ تشرح سبب فهمي للوحة. الماضي يمثّل للكثير جنّة فقدت، ولّى زمانها وحلّ زمنٌ أكثر سوادًا بدلًا منها، حتّى لو لم يكن الماضي كذلك فعلًا. وربّما يفسّر ذلك سبب ربط النّاس الماضي بالطفولة، وبما تكتنز به من براءة لم يعد لها من وجودٍ وسط هذا الزخم الحياتي، الذي تختلط فيه المشاعر تجاه الأشياء، ابتداءً بما يشكل على عقلنا من المسائل وليس انتهاءً بالثوابت التي كنا نعتقد أنها تؤثث حياتنا بشكلٍ أو بآخر.

          هذه البراءة، تتجسّد أمام أعيننا حين ننظر إلى أيّ لوحة كلاسيكيّة. خذ مثلًا أعمال الرّسّام النرويجي أديليستين نورمان حول المضيق البحري (Norwegian Fjord)(1) الذي كان يرسمه. قد تبعث كلّ لوحة من لوحاته شيئًا مختلفًا في نفس الناظر، لكنّ جميع من ينظر إليها، بلا ريب سيتّفق على شيء واحد: أنها رسومات عن مضيق بحري. حقيقة بسيطة، لا يمكننا أن نختلف حولها، ما لم يكن هناك خلل لدى المستقبل. في الواقع هذا النّوع من الفنّ مباشر، مباشرٌ بشكلٍ فجٍّ أحيانًا، وحين أصفه بذلك لا يعني على الإطلاق الانتقاص منه، الأمر لا يعدو عن القول بأنّني أعرف هذه الأشياء، أو لديّ تصوّر مسبقٌ عنها. هذا الوضوح، يغيب حين تشاهد لوحة لأحد رسّامي المدرسة التكعيبيّة مثلًا. قد تشاهد لوحة غيرنيكا لبيكاسو(2) مئة مرّة، أو قد يشاهدها مئة شخص، ولا أخرج / يخرج أحدنا بانطباعٍ مشابه للآخر. عدا عن كون اللوحة غير كافية وحدها لفهم الأرضيّة التي رسمت عليها، والبعد السياسي / الإنسانيّ الذي تشير إليه. كلّنا شاهدنا الوجوه المرتعبة، والسيف المكسور الذي تعلوه وردة صغيرة، الثّور ذو العينين المنفصلتين، الأرجل والأيدي المفصولة. لا بدّ أن انطباعًا بوحشيّة ما قد يطفو إلى ذهن المشاهد، لكن لا شيء أكثر. المشهد يظلّ غائمًا وضبابيًا  – ربّما هكذا كان في ذهن بيكاسو أيضًا، مشهد غائم وضبابي، رسمه كما هو دون أيّة تعديلات – ما لم يخبرك أحدهم أنّها جسّدت معاناة سكّان بلدية غورينيكا في إقليم الباسك لدن قصفها من قبل الطيران الألماني - الإيطالي الموالي لحكومة فرانكو أثناء الحرب الأهليّة الإسبانيّة.

          إذن فالمسألة هي الوضوح أو اللاوضوح إن جاز التعبير. كلّ ذلك خطر لي أثناء مشاهدة فيلم باولو سورينتينو الأخير "الجمال الباهر / La Grande Belezza" (2013). تحت أيّة خانة منهما يمكن أن نضع الفيلم؟ الجواب كان سهلًا: لا أعرف!. تداخل القصص الثانويّة مع القصّة الرئيسية (على افتراض وجود واحدة) أذاب الخيط الفاصل بينها حتّى غدا الرئيسي ثانويًا والثانويّ رئيسًا، هكذا حتّى نهاية الشريط.

          "جيب غامبارديلّا" صحفي، كتب رواية واحدة في حياته، ثم توقّف 40 سنة عن قرض هذا الصنف الأدبي. السؤال اللاحق، الذي يمتدّ على مدى ساعتين وخمس عشرة دقيقة: لماذا؟ الجميع يريد أن يعرف الإجابة. قد يعبر في البال عددًا ممّن اشتهروا بعد اعتزالهم فنّهم، أو عدم تمكنّهم من المضي قدمًا فيه. كالكاتبة الأمريكة هاربر لي صاحبة رواية "أن تقتل طائرًا بريئًا" (1960). في حوار لها(3) مع الصحفي روي نيوكويست (Roy Newquist) يعود للعام 1964 اعترفت أنّه ثمّة رواية ثانية، لكنّها تسير ببطء. وفي موضعٍ آخر تقول: "لقد وجدت أنني لم أعد أستطيع الكتابة... لدي ما يقرب من الثلاثمائة صديق لا ينفكّون عن زيارتي لاحتساء فنجان قهوة. حاولت الاستيقاظ في السادسة صباحًا، لكن ما حدث لاحقًا أن جميع من يستيقظون في السادسة صباحًا تجمعوا عندي". لم تكتب هاربر لي رواية ثانية، وظل اسمها مقرونًا بروايتها الوحيدة. هل "جيب غامبارديلّا" نسخة جديدة من هاربر لي، أو سواها؟

          تسأل "رامونا" صديقة "جيب" الغانية، لماذا لم تؤلف كتابًا آخر؟ فيجيب "لأننّي أتسكّع كثيرًا في الخارج ليلًا. روما تضيع عليك الكثير من الوقت، إنّها إلهاء، والكتابة تحتاج إلى التّركيز والسّلام". وفي موضعٍ آخر، وهو يسير على جانب نهر التيبر يعترف بأنّه أراد أن يكون ملكًا لحياة الترف، وقد نال ذلك. يتعرّى هنا تناقضه الداخلي، إذ كيف لروما أن تكون أداة إلهاء، وقد اختار هو هذه الطريق بنفسه؟ لكنّ المخرج يلقي لنا إشارات للفهم على امتداد الشريط. في المشهد الافتتاحي للفيلم يصوّر سائح يابانيّ روما من مكانٍ مرتفع، ثمّ ما يلبث أن يصاب بسكتة، ويموت من فوره. وفي مشهدٍ آخر، يودّع "رومانو" صديقه "جيب" ليعود إلى مسقط رأسه، حين يسأله "جيب" عن السّبب، يجيب: "لقد كانت روما مخيبة لي". يتكرّر ذات السؤال كثيرًا، سواءً من الخارج أم من الداخل (جيب ذاته)، لكنّ جوابًا قاطعًا يخرج حين تسأله القدّيسة ماري عن السبب؛ فيجيب "كنت أبحث عن الجمال الباهر (La Grande Bellezza).. فلم أجده"

          تأخذ المرأة مساحة لا بأس بها من حياة جيب، أقصد المرأة الفاعلة في حياته، ليست تلك التي يتعامل معها بشكلٍ يومي كمحررته الصحفية مثلًا. نكتشف في اعترافٍ مفاجئ، أن خيبة "جيب" الأولى لم تكن روما، ولا حتّى روايته الأولى غير الناجحة بل كانت حبيبة سابقة، هَجَرته في وقتٍ قريبٍ من توقفه عن الكتابة. لا يأخذ المشهد مساحة عريضة من الشريط، لكن شيئًا ملموسًا في وجه جيب يتغيّر كلما مرّ ذكرها، حتّى أنّه يستطيع أن يشاهدها (في خياله) مرّتين، الأولى كاد فيها أن يموت دهسًا من قارب وهو يسبح، والثّانية، في نهاية الفيلم، كانت أشبه بولادة جديدة له في عالم الكتابة.

          كلّ شيء محتقنٌ في روما، على كلّ جمالها إلّا أنها تسوق مواطنيها إلى خيباتهم ببرود قاتلٍ لا يأبه لضحيته. برع باولو سورينتيونو في كشف ذلك باستخدامه البديع للكاميرا؛ إذ تظهر روما بأبهى حللها، بكنائسها ومنازلها العتيقة، أنهرها وحدائقها. وفي الوقت ذاته حاول تكثيف المشاعر في أوجه الممثلين، عن طريق تقريب العدسة على وجوههم إلى الحد الأمثل لقراءة ما ورائها. بهذا النقاء الهائل للصورة والألوان الزاهية، والسيناريو الغائم، والحضور القوي للمكان يحاول سورنتينو أن ينحت اتجاهًا خاصًا به، ربّما يشاركه توني سيرفيلّو (جيب غامبرديلّا) فيه برابع فيلم يقومان به سوية بعد "One Man Up" (2001) و "The Consequences Of Love " (2004) و "Il divo" (2008) و هذا الفيلم.




 (موسيقى الخاتمة)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                                


الجمعة، 14 مارس 2014

5 أفلام مقتبسة والحديث عن حقّنا في الخيال

* المقال كتب لينشر في موقع انكتاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

          ما بين الكلمة والصورة يضيع الكثير من الخيال، ذلك الخيال الذي يعتاش عليه القارئ، ويرضى به كدافع وحيد لاستمرار الشغف الذي هو المقابل الوحيد لهذه العملية. لكن في عالمٍ سريع كهذا الّذي نعيشه، ووسط تصاعد الأصوات القائلة بقلّة أعداد القرّاء، بل وتناقصهم مع الزّمن. أتاح ذلك المشهد للمستثمرين وصنّاع البلادة الوقوع على كومة كبيرة من "السيناريوهات" الجاهزة، الّتي تنتظر أن تصل إلى أكبر عدد من المتلقّين. منذ النصف الثاني من القرن العشرين، ازدادت أعداد الأفلام المقتبسة عن أعمال روائية باطّرادٍ كبير، حتّى بات بعض الكتّاب يكتبون وأعينهم مصوّبة نحو  الشّاشة. قد يكون لذلك أسباب عديدة، ولست في صدد نقاشها. ما أودّ قوله، أنّ أيّ متابعٍ بسيط لهذه النوعية من الروايات، بإمكانه الإحساس بكم الغبن الذي يطولها حين تتحوّل إلى السينما، وكأنها قد أصابها خطأ طبّي في عمليّة جراحية سهلة، فاستحالت كائنًا مسخًا لا علاقة له بالكائن الأصل.

          كان لا بدّ أن يأتي اليوم الّذي أُسائل فيه نفسي عن مدى الإنصاف في إطلاق الأحكام الناجزة على أي عمل سينمائي مقتبس من عملٍ أدبيّ. فقط لإبداء شيء من الموضوعية أجبرت نفسي بعد قراءة كل عمل على مشاهدة نسخته البصرية. في الواقع، لا أستطيع القول أنها تغيّرت كثيرًا، لكن ربّما أخذ الموضوع طابعًا أقلّ حدّيّة، لإدراكي أن صناعة الأدب مختلفة في جوهرها عن صناعة السينما، فالأولى قد يرفدها الكثير من المعطيات، كجمال اللغة مثلًا أو التلاعب بالزمان والمكان، بينما السينما فيها مباشرة وفجاجة أكثر، ويصعب عليها الإلمام بجميع التفاصيل إذ أن المشهد الحالي هو الحاضر فقط ولا شيء يحدث في مكان آخر في ذات اللحظة، كلّ شيء يجب أن يصل في لحظة معينة دون البناء على شيء مسبق، على عكس الرواية التي تعدّ فعلًا تراكميًا يُبنى بتؤدة على مدى الصفحات.

            من هنا جاءت نواة هذا المقال، الذي سأتحدّث فيه عن بعض الأفلام، الّتي أعتقد أنّها أثْرَت العمل الأدبي ولم تبخسه حقّه:

1-      العطر، قصّة قاتل / Perfume, The Story Of a Murder:

             ربما ميزة الأدب الكبرى إطلاق الخيال في فضاءات المجهول، ويتجلّى ذلك في تخّيل الصورة وإسقاطها على نفسية البطل. حين تقرأ رواية العطر، أو غيرها لا بدّ أن يراودك "غرينوي" بطريقة أو بآخر، وإن كان ذلك مشوبًا بكثير من الضبابية، لكن شخصية متفرّدة مثل تلك تفتح باب تأويلها في كافّة الاتجاهات ؛ لذا فإن مغامرة تجسيدها بشخص ما، وإعفاء القارئ من مشقة تخيلها كما يحلو له لا يمكن لها أن تأول إلّا إلى نتيجتين: إما النجاح المبهر، أو الفشل الذريع. وقع اختيار المخرج الألماني "توم تايكوير" على الممثل الإنجليزي "بين ويشو" ليؤدي دور "غرينوي"، ليقدّم أداء أقلّ ما يوصف به هو الإبهار. شخصية "غيرنوي" تجلّت في أبهى أشكالها منذ بداية الفيلم وهو مستلقٍ على ظهره يتميّز رائحة الأشياء: حجارة، دود، ضفادع... إلخ. مرورًا بنشوته البادية وهو يشتمّ رائحة شعور الفتيات، وصولًا إلى قمّة الحكاية حين واجه غرينوي الجموع المهتاجة في نهاية الفيلم. يخيّل إليّ لو أنّ غرينوي كان شخصًا من لحم ودم، فلن يكون أكثر سعادة من ترجمته بصريًا على هذا النحو.




2-      1984:

             يحلو لي أن أصف هذه الرواية بالجحيم البشري. لا بد أن جورج أورويل قد أصابه مسّ شيطانيّ حتّى يخرج بهذا النص شديد القتامة. من التفاصيل المعتنى بها جيدًا في الفيلم، والذي يتضح ابتداء منها جدّية العمل هو إنتاجه في العام 1984، وهو العام الذي تدور فيه أحداث الرواية (التي يفترض بها أن تكون في المستقبل). قد يعطي ذلك، على الأقل لشخص مثلي، انطباعًا بالمصداقية تم إضفاءه على الجو العام منذ البداية، أو حتّى قبل البدء بالمشاهدة. ومن المشاهد الأولى يتأكد ذلك الإحساس حين نشاهد جون هارت (وينستون سميث) بعينيه المنتفختين، وجسده الهزيل؛ إذ يبدو أنه ثمة خطب ما، هناك شيء ليس على ما يرام، ويظل ذلك الإحساس يتكرّس مع مرور كل لحظة في الفيلم حتّى يصل الرّعب أقصى درجاته مع ولوج الغرفة 101. شكلُ شاشات الرصد، الشوارع التي لا تشبه شوارع لندن وقت تصوير الفيلم، صورة الأخ الكبير، الأزياء الزرقاء، الحساء الهلامي زهري اللون، والكثير من الأشياء الأخرى (جميعها أشياء غير حقيقية وإنما ابتدعها فريق الإنتاج نتيجة قراءة عميقة للعمل)؛ كل هذه الأشياء تدفعني للإشادة بهذا العمل وبمخرجه الأمريكي مايكل رادفورد، وعدّه من الأعمال التي ساهمت في إثراء النص الأصلي.




3-   ساعي بريد نيرودا / Il Postino:


            أحيانًا يراودني شعور، بأن الأدب قليل الصفحات هو أدب مكتوب على عجل، ليس من الجمال بشيء. لكن أجدني واقعًا في معضلة تشييء الجمال؛ بورخيس مثلًا أحد أكبر مشكلاته مع الرواية، أنه يستطيع أن يختصرها في جملة واحدة. لو اعتبرنا هذه الرواية الصغيرة – مجازًا - جملة صغيرة في مقارنتها مع الأدب الطويل - مجازًا أيضًا - ؛ فإنها وبلا شك، جملة بورخيسية مكتملة الجمال والتكوين. وصل فيها سكارميتا بمزاوجة بين البساطة والعمق، إلى قمّة الرهافة الإنسانية، فكيف إذن يستطيع مخرج، أيّ مخرج، أن يسطّر بصمته هو الآخر على عمل قد يكون قال كلّ ما عنده، ولا مجال لاستنطاقه أكثر؟ قد يزول العجب، حين نعلم أن مخرج هذا العمل، هو ذاته الذي أخرج فيلم (1984)، إذ يبدو أن تحويل الروايات العظيمة إلى السينما بات شيئًا يسيرًا بين يديه، كما لو كان يشعل الضوء دون أن ينظر لموضع الأزرار على الحائط.

          حين يأتي ذكر هذا الفيلم، قد يكون من المشين تجاوز طاقم التمثيل، خاصّة العظيم فيليبي نويرت (بابلو نيرودا)، وماسّيمو ترويزي (ماريو / ساعي البريد)، والّذي للمصادفة، أو ربّما سوء الحظ توفّي بعد إنهاء التصوير بيوم واحد، وكأنما كان هذا الفيلم الستارة التي أسدل بها حياته، ليجيء بعد ذلك التصفيق من صالة السينما بعد انتهاء العرض الأول للفيلم، والذي لن ينتهي – باعتقادي – طالما هناك قارئ، أو مشاهد جديد لكلا العملين، اللذين هما - بشكلٍ أو بآخر - عمل واحد.




4-      زوربا اليوناني / Zorba The Greek:

          بعد مشاهدة الفيلم، واستذكار الرواية. جاءني شعور بأن هذه الرواية لم يكن لها أن تحول إلى الشاشة إلا بالأبيض والأسود. أسلوب السرد الكلاسيكي، زوربا ذاته الذي يبدو وكأنه خرج للتو من متحف قديم. تشعر كما لو كان هناك طبقة كثيفة من التراب عليه، وجاء المعلّم / كازانتزاكيس لينفضه عنه. هناك حميمية في الأبيض والأسود، ربما يعود سببها للماضي؛ فالماضي كما كان للشاعر يومًا: "ألا ليت الشباب يعود يومًا" هو الزمن الجميل الذي راح ولن يجيء، قد لا يكون هذا ماثلًا في ذهن المخرج (ميهاليس كاكجيونيس)، إذ أن الأبيض والأسود كان كلّ حيلتهم آنذاك. لكنّني أقوله فقط كقارئ ومشاهد للرواية والفيلم في الألفية الجديدة. الفيلم في صلبه لم يأتِ بذلك الشيء، مجرّد تكرار لما جرى في الرواية. لكن ما الذي يدفعني للقول بتفرّده؟ إنه آنتوني كوين (زوربا)، الرجل الفارع الطول، بلحيته البيضاء وشعره الأشعث يرقص على ساحل المتوسّط، والمعلّم (آلان باتس) يحاول أن يجاريه. إنه آنتوني كوين القادر على الذوبان والتماهي في شخصيته إلى الحد الذي بإمكانه إقناعي بأنه يحيا حياته الأصلية. إنه آنتوني كوين بصخبه وجنونه وحزنه الفجائي، فقط ولا شيء أكثر.




5-      الساعات / The Hours:

            يقول ماركيز "في الصحافة يختلّ العمل بالكامل إذا كانت هناك معلومة خاطئة. على النقيض من ذلك، في الرواية تمنح معلومة واحدة حقيقية الشرعية للعمل بالكامل" ولأنّ ما أقوم به حاليًا أشبه بالعمل الصحفي، يتوجّب عليّ أن أقرّ بأنّ هذه الرواية الوحيدة بين الخمسة التي لم أقرأها بل شاهدت الفيلم المقتبس عنها. أعلم أن ذلك ليس بالشيء الذي بإمكاني الافتخار به، لكن ما العمل حين لا يوجد نشاط ترجميّ ممنهج للعربية يمكننا من الاطلاع على الأعمال التي لاقت نجاحًا أدبيًا ما على أقل تقدير؟ فالرواية لكاتبها الأمريكي "مايكل كانينغهام" حازت على جائزة البوليتزر، وترشّح الفيلم الذي أخرجه ستيفين دالدري عنها إلى جائزة الأوسكار لأفضل فيلم عام 2002.

     الفيلم هو حالة مركّبة من علاقة 3 نساء لم يرين بعضهن، في فترات زمنية مختلفة، لكنّهن يتمحورن جميعًا حول الكاتبة الإنجليزية فيرجينيا وولف وبطلتها السيدة دالاواي في رواية تحمل اسم الشخصية ذاتها. العبقرية في الفيلم يكمن - عدا عن القصّة التي يطول شرحها- في أداء نيكول كيدمان (فيرجينيا وولف) الفاتن خاصّة في إخراج المشاعر السلبية المتوارية للكاتبة الإنجليزية وراء صرامة النظام الإنجليزي، ويتمثّل ذلك في حوارها مع زوجها في محطّة القطار محاولة إقناعه بالعودة إلى لندن؛ فالريف يكاد يقتلها لا إحياؤها كما ادّعى الأطباء. ثم ميريل ستريب (كلاريسّا دالاواي) وجوليان مور (لورا براون) على التوالي. هذا الإتقان في الأداء الذي حدا بالأكاديمية لفنون الصورة المتحركة وعلومها بمنح جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة رئيسية لنيكول كيدمان وترشيح جوليان مور لجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة ثانوية؛ كاعتراف ضمني بأهمّيّة العمل السينمائي، الذي أضاف إلى رصيد الرواية وصاحبها بلا شك.